الرئيسيةمقالات العدلماهيتاب عبدالسلامماهيتاب عبدالسلام تكتب: الثقافة البصرية تبتلع الثقافة المكتوبة

ماهيتاب عبدالسلام تكتب: الثقافة البصرية تبتلع الثقافة المكتوبة

نحن نعيش في زمن الصورة ،عالم تُفهم تفاصيله بسرعة من خلال لقطة عابرة أو فيديو قصير أو تصميم يمر أمام العين في ثوانٍ. لم تعد الكلمة هي أساس للمعرفة كما كانت، بل أصبحت الصورة تسبقها، والانطباع يأتي قبل الفكرة في أغلب الأحيان.جيل زد تحديدًا يعيش داخل هذا العالم، حيث الصورة تسبق الكلمة، والانطباع يأتي قبل الفكرة،هو جيل لم يأتِ إلى عالم ثابت يمكن قراءته ببطء، بل إلى شاشة تتحرك سريعا. لذلك أصبح التعرف على الأشياء يبدأ من الصورة قبل الكلمة، ومن الانطباع قبل الفكرة. ليس لأن الكلمة فقدت قيمتها، بل لأن الصورة أصبحت أسرع في الوصول، وأقوى في جذب الانتباه، وأكثر قدرة على فرض حضورها في اللحظة الأولى. ومع هذا التحول، لم تعد الثقافة تُبنى بالتراكم الهادئ الواعي، بل تتشكل من لقطات متفرقة مشهد هنا، اقتباس هناك، ومعلومة تُستهلك بسرعة قبل أن تُستبدل بغيرها، فتتغير علاقتنا بالمعرفة من رحلة فهم ممتدة إلى لحظات متقطعة من التلقي السريع الخاطف

في الماضي، كانت القراءة مساحة للتفكير، والجملة تحتاج وقتًا لتُفهم، والعقل يشارك في بناء المعنى أثناء قراءة النص. أما الآن فالمعلومة تأتي جاهزة، غالبًا في صورة جذابة تختصر الطريق وتسبق التفكير. الصورة اليوم لا تكتفي بنقل الواقع، بل تصنع الانطباع الأول عنه،لا تعطي فرصة لقراءة المشهد كاملا، بل نكوّن رأينا قبل أن نفهم القصة كاملة، فقط من زاوية ملتقطة أو لحظة مقتطعة. هنا يتشكل نوع جديد من الوعي، يعتمد على ما يُعرض أكثر مما يبحث، وعلى ما يراه أكثر مما يحلله، فنجد أنفسنا داخل دوامة من الأحكام الفورية، و يصبح الظاهر أقوى من الحقيقة أو على الأقل أسرع منها

ومع هذا السرعة، تتغيّر شكل المعرفة نفسها. لم تعد الفكرة تُبنى داخلنا عبر نص طويل، بل تُستهلك في شكل أجزاء صغيرة: عنوان لافت، اقتباس سريع، أو محتوى مختصر يمر دون توقف. النص لم يختفِ تمام ، لكنه تراجع إلى الخلف، لم يعد البداية بل مرحلة لاحقة لمن يريد التعمق. القراءة أصبحت فعلًا تحتاج إلى وقت وإرادة، بينما الصورة لا تطلب شيئًا سوى نظرة عابرة. لذلك لم تعد المشكلة في غياب المعرفة، بل في سطحيتها في أغلب الأحيان نعرف الكثير من الأشياء، لكننا لا نغوص فيها بما يكفي ،فقط قشور عن المواضيع والمشكلة الأكبر أن هذه القشور قد تمنح بعض الناس إحساسًا زائفًا بالمعرفة، فيتصوّرون أنهم يمتلكون الفهم، ثم يواصلون بناء أحكامهم وآرائهم فوق هذه القشور، وفق أهوائهم لا وفق فهم حقيقي

لكن هذا التحول لا يحمل جانبًا سلبيًا فقط. الثقافة البصرية منحت المعرفة انتشارًا غير مسبوق، وفتحت أبوابًا لمن لم تكن القراءة خيارهم الأول. الصورة قرّبت المفاهيم، وكسرت الحواجز، وجعلت العالم أكثر وصولًا. لكنها في المقابل خلقت تحديًا جديدًا: كيف نحافظ على العمق في زمن السرعة،و كيف نعيد التوازن بين ما يُرى وما يُفهم لأن الصورة تستطيع أن تفتح الباب، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني ما وراءه

المسألة إذن ليست صراعًا بين الصورة والنص، بل خلل في التوازن بينهما. حين تسيطر الصورة وحدها، يتراجع التأمل، ويضعف التحليل، و تتحول المعرفة إلى انطباعات متغيرة. أما حين يستعيد النص مكانه، حتى لو متأخرًا، فإنه يعيد ترتيب ما رأيناه، ويمنح الصورة معناها الكامل

وفي النهاية، قد تملأ الصورة العين، وتخطف الانتباه، لكن الكلمة وحدها قادرة على أن تبقى، وأن تملأ العقل #حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة