الرئيسيةمقالات العدلم. محمد سيد يكتب: الري الزراعي في مصر وعقبات الجودة مع حلول...

م. محمد سيد يكتب: الري الزراعي في مصر وعقبات الجودة مع حلول “الجيل الثاني”

يمثل ملف إدارة مياه الري في مصر أحد أكبر التحديات الهندسية التي ترتبط ارتباطاً مباشراً بالأمن القومي والغذائي، خاصة في ظل الطفرة الزراعية الحالية ومشاريع استصلاح الأراضي الجديدة… وعند النظر إلى واقع المنظومة المائية مع مطلع عام 2026 وتقييم كفاءتها الحالية، نجد أن قطاع الري في مصر يمر بمرحلة حرجة من إعادة التوجيه الإستراتيجي، تفرضها فجوة مائية متسعة، حيث التحدي الأول والأبرز يكمن في حالة (الشح المائي) الحرجة التي تواجهها البلاد إذآ تشير البيانات الرسمية الأخيرة لوزارة الموارد المائية والري والقراءات الهيدرولوجية لعام 2026 إلى أن نصيب الفرد السنوي تراجع ليصل إلى حوالي 500 متر مكعب فقط بعدما كان 1000 متر مكعب منذ التسعينات ، وهو ما يعادل نصف حد الفقر المائي المتعارف عليه دولياً ويقف عند عتبته ..، هذا التراجع الحاد المدفوع بالنمو السكاني المتسارع مع ثبات تدفقات النيل المصدرية بنسبة تصل إلى 98% والاعتماد شبه الكامل عليه لتأمين الاحتياجات المتجددة، نقل الإدارة الهندسية للموارد المائية من مرحلة “توزيع الوفرة” إلى مرحلة “إدارة الندرة الصارمة” لتلبية متطلبات التوسع الزراعي والزيادة السكانية المستمرة وضمان استدامة المشاريع الزراعية القائمة والمستحدثة.

​ولسد هذا العجز المائي الكبير، ولعل المحور الأكثر تعقيداً في المنظومة الهندسية اليوم..، فاتجهت الدولة بشكل مكثف نحو تعظيم الاستفادة من مياه الصرف الزراعي والصحي عبر معالجتها في محطات ثلاثية عملاقة مثل محطتي بحر البقر والدلتا الجديدة ، ورغم النجاح الهندسي الكبير لهذه المحطات والتقنيات وكفاءتها في إزالة الملوثات البيولوجية والعضوية وتحسين الخواص البيولوجية للمياه، إلا أن إعادة تدوير هذه المياه وضعت قطاع الزراعة والري أمام تحدي بيئي وجزء تقني جديد يظل محصوراً ومتعلقاً بملوحة المياه ، حيث تؤكد الدراسات الهيدرولوجية والأكاديمية المنشورة مؤخراً في المجلات الهندسية أن خلط هذه المياه المعاد تدويرها والاعتماد على مياه الخلط في قنوات الري الكبرى والناقلة يرفع مستويات الأملاح الكلية الذائبة TDS بنسب تتراوح بين 33% إلى 38% مقارنة بالمياه العذبة، لتتجاوز في بعض المناطق 1160 مجم/لتر.

هذا التغير الكيميائي والارتفاع المستمر يؤدي على المدى الطويل إلى تراكم الصوديوم في التربة ورفع نسبة امتزاز الصوديوم المعدلة، مما يتسبب في تشتيت حبيبات الطين وتدهور البناء الفيزيائي للأرض وتقليل نفاذيتها وهيكلها الفيزيائي، فضلاً عن فرض إجهاد أسموزي مستمر يضعف نمو المحاصيل الحساسة للأملاح ويضغط على المنظومة الجذرية للمحاصيل ..

و​علاوة على ذلك، يتخذ التحدي البيئي أبعاداً أكثر خطورة في المحافظات الساحلية، إذ تواجه الأراضي الزراعية في محافظات شمال الدلتا ضغوطات بيئية مزدوجة ناتجة عن التغيرات المناخية، حيث يتسبب ارتفاع مستوى سطح البحر في ظاهرة تداخل مياه البحر المحيطة بالخزان الجوفي الضحل والعميق مباشرة، مما يؤدي إلى تملح المياه الجوفية ومياه الآبار المستخدمة في الري التكميلي..، وينعكس ذلك سلباً على قطاعات واسعة في كفر الشيخ والدقهلية، لا سيما في مناطق مثل بلطيم وسيدي سالم ، ويتزامن تملح الخزان مع مشكلة وصعود المياه الأرضية الصامتة وتراكم الأملاح بالخاصية الشعرية في منطقة الجذور، خاصة في المناطق التي تعاني من تقادم أو انسداد شبكات الصرف المغطى، مما يحرم الجذور من التهوية الجيدة ويخلق بيئة لا هوائية تؤثر سلباً ومباشرة على جودة التربة والإنتاجية..

وفي نفس السياق لا تزال بعض المجاري المائية والترع الفرعية والداخلية تواجه تحديات وضغوطاً ناجمة عن التلوث العضوي والصناعي الموضعي الناتج عن إلقاء بعض المخلفات غير المعالجة، مما يتسبب في انخفاض مستويات الأكسجين الذائب في الماء ويرفع من الحمل العضوي BOD، وهو ما يحد من مرونة استخدام هذه المياه بشكل مباشر في بعض النهايات دون عمليات معالجة مسبقة ومكلفة.

​وتأسيساً على هذا الواقع، تواجه الدولة هذه الأزمات المركبة وتتجه الرؤية الهندسية الحالية نحو تطبيق وتفعيل ما يعرف بـ “الجيل الثاني لمنظومة الري” ، والذي لا يتوقف عند حد التحول الإلزامي وإلزام الأراضي الجديدة والرملية والمستصلحة بنظم الري الحديث كالتنقيط والرش لرفع كفاءة الاستخدام وتقليل الفقد بل يمتد ويستمر العمل فيه إلى حوكمة وإدارة عمليات خلط مياه الصرف بالماء العذب اعتماداً على تبني نماذج محاكاة رقمية وديناميكية متطورة لإدارة سيناريوهات الخلط في شبكات رئيسية كترعة السلام وسيناء وتهدف هذه النماذج إلى حوكمة نسب ومستويات الملوحة وضمان بقائها في الحدود الآمنة للمحاصيل، مع توجيه المزارعين مع وضع وتطبيق برامج ريات غسيلية دورية ومحسوبة بدقة للحفاظ على الاتزان الملحى للقطاع الأرضي وتجنب تدهور التربة وحماية الرقعة الزراعية من التدهور. #حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة