مسقط — كانت سلطنة عُمان لعقود “سويسرا الخليج”: حياد خيّر، وساطة ناجحة، وعلاقات متوازنة مع الجميع. لكن هذه الاستثنائية نفسها جعلتها اليوم في مرمى نيران متقاطعة بين قطبين متنافسين: الولايات المتحدة وإيران. فلماذا أصبحت مسقط فجأة هدفاً لأكبر منافسة إقليمية؟
في السياسة الدولية، لا تُطلق التهديدات عبثاً. والضغوط الأمريكية المتصاعدة على عُمان ليست وليدة اللحظة، بل جزء من إعادة تشكلة كبرى لموازين القوة في أكثر مناطق العالم حساسية. قراءة التصعيد تستوجب تجاوز الظاهر إلى الجوهر: صراع على النفوذ، وتضييق هوامش المناورة، واختبار لقدرة أي دولة على البقاء خارج معسكرات الاستقطاب الحادة.
لماذا عُمان؟ ولماذا الآن؟
لطالما مثّلت عُمان حالة استثنائية داخل الخليج. بينما انخرط جيرانها في محاور متصارعة، اختارت مسقط طريقاً قائماً على التوازن، والانفتاح على الجميع، والحفاظ على قنوات اتصال سرية وعلنية مع أطراف متناحرة — من طهران إلى تل أبيب، ومن واشنطن إلى موسكو.
هذه السياسة منحت السلطنة دوراً يتجاوز حجمها الجغرافي، وجعلتها وسيطاً موثوقاً في ملفات شائكة مثل البرنامج النووي الإيراني، والحرب في اليمن، وتبادل الأسرى بين الولايات المتحدة وإيران.
لكن هذا الدور نفسه أصبح اليوم نقطة ضعف، ليس لأن مسقط غيّرت سياستها، بل لأن البيئة الإقليمية تغيّرت جذرياً.
المستهدف الأول: لماذا تريد واشنطن كسر نموذج عُمان؟
الرسالة الأمريكية الحالية واضحة: لم يعد مقبولاً الاكتفاء بدور الوسيط؛ أصبح مطلوباً تحديد المواقف والانحياز العلني.
ثلاثة أسباب تجعل عُمان هدفاً أمريكياً اليوم:
1. المنطقة الرمادية: أمريكا تخوض مواجهة مفتوحة مع النفوذ الإيراني. وهي لا تنظر بعين الرضا إلى أي مساحة تسمح لإيران بالتنفس سياسياً أو اقتصادياً. وعُمان، بعلاقاتها الوثيقة مع طهران، توفّر بالضبط تلك المساحة.
2. مضيق هرمز في قلب الصراع: موقع عُمان الاستراتيجي المطل على الممر المائي الأهم عالمياً يمنحها قدرة على التأثير في أمن الطاقة العالمي. أي ترتيبات أمنية أو تفاهمات إقليمية لا تمر عبر الرؤية الأمريكية تُقرأ في واشنطن كتحدٍ مباشر لمعادلات النفوذ التقليدية.
3. اختبار النموذج الخليجي البديل: عُمان هي الدولة الوحيدة في مجلس التعاون الخليجي التي تحتفظ بسياسة خارجية مستقلة حقاً. نجاحها في الصمود يُشجّع دولاً أخرى (مثل قطر) على تعزيز حيّزها المستقل. ولهذا تسعى واشنطن إلى “تعديل السلوك” العُماني قبل أن يتحول إلى نموذج يُحتذى.
المستهدف الثاني: لماذا إيران أيضاً ترى في عُمان ورقة ساخنة؟
قد يكون مفاجئاً، لكن إيران أيضاً تتعامل مع عُمان بحذر متزايد، بل وضغوط غير معلنة.
لماذا؟
لأن طهران تدرك أن علاقة مسقط بواشنطن تشكل نافذة خطر على مصالحها. فسلطنة عُمان كانت الوسيط غير المعلن في قنوات الاتصال السرية بين البيت الأبيض والمرشد الأعلى. وهي التي استضافت محادثات غير مباشرة حول الملف النووي وتبادل الأسرى. وفي بعض اللحظات، لعبت دور “الطوق الناعم” الذي يمنع انفجار المواجهة المباشرة بين أمريكا وإيران.
لكن من منظور طهران، هذا الدور نفسه يجعله عرضة للتساؤل: هل يمكن لعُمان أن تصبح منصة لضغوط أمريكية مقنعة؟ وهل استمرار مسقط في الانفتاح على الغرب يمنح واشنطن أدوات للتغلغل في العمق الإيراني عبر البوابة العُمانية؟
لهذا، تتحرك إيران بحذر: هي بحاجة إلى عُمان كجسر ومانع تسرب في آن واحد، لكنها لا تريد أن تصبح السلطنة أداة بيد الخصم.
إذاً: لماذا عُمان مستهدفة من الطرفين معاً؟
المفارقة أن السبب نفسه الذي جعل عُمان وسيطاً ناجحاً، هو الذي جعلها هدفاً مزدوجاً اليوم:
الدور التقليدي لعُمان التهديد الحالي من منظور كل طرف
وسيط بين أمريكا وإيران أمريكا تراها متنفساً لإيران / إيران تراها نافذة لأمريكا
علاقات متوازنة مع الجميع أمريكا تريد انحيازاً واضحاً / إيران تريد ولاءً أكثر
موقع استراتيجي على هرمز أمريكا تريد سيطرتها / إيران تريد شراكتها الحصرية
نموذج للحياد في الخليج أمريكا تريد كسره / إيران تريد استثماره لصالحها
عُمان لم تعد “سويسرا الخليج” في نظر أحد. أصبحت “ساحة اختبار” لقدرة أي دولة على البقاء خارج الاصطفاف الإجباري. وكلما اشتد الصراع بين أمريكا وإيران، تضاءلت المساحة المتاحة لمسقط للعب على الحبلين معاً.
السؤال الأعمق: هل الحياد ممكن في الشرق الأوسط الجديد؟
السؤال الذي تطرحه الأزمة الحالية ليس خاصاً بعُمان وحدها، بل يعكس معضلة تواجه المنطقة بأسرها: هل ما زال هناك مكان لسياسات الحياد والتوازن في شرق أوسط تحكمه استقطابات حادة؟ أم أن كل القوى الإقليمية باتت مطالبة بالاصطفاف داخل معسكرات متقابلة؟
عُمان تدرك أن مصدر قوتها الحقيقي لم يكن يومًا في القوة الصلبة، بل في قدرتها على التحدث مع الجميع حين يعجز الآخرون عن الحوار. لكن هذا المصدر نفسه يتحول إلى نقطة ضعف في لحظات اشتداد الاستقطاب.
التحدي الأكبر أمام مسقط اليوم ليس مواجهة الضغوط الأمريكية أو الإيرانية بشكل منفصل، بل الحفاظ على استقلالية قرارها دون خسارة شراكاتها الاستراتيجية مع أي من الطرفين. وكأنها تمشي على حبل رفيع يزداد اهتزازاً مع كل خطوة.
ما الذي ينتظر عُمان؟
لا تبدو الأزمة الحالية خلافاً عابراً، بل فصلاً في إعادة تشكلة الشرق الأوسط. مصير الدور العُماني سيكون اختباراً حقيقياً للإجابة عن سؤال أكبر: هل يمكن لنموذج الوساطة والحياد أن يصمد في بيئة إقليمية تتجه نحو المزيد من التصلب والاستقطاب؟
الأسابيع والأشهر القادمة ستكون حاسمة. فإما أن تنجح مسقط في إعادة تعريف دورها بما يتناسب مع المعطيات الجديدة، أو أن تجد نفسها مجبرة على دفع ثمن استثنائيتها في عالم لم يعد يحتمل “المناطق الرمادية”. #حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأم




