الرئيسيةمقالات العدلأحمد القناوينحو ٩ مارس يومًا وطنيًا لمصر

نحو ٩ مارس يومًا وطنيًا لمصر

لكل أمة يوم وطني تُختزل فيه لحظةً فاصلة من تاريخها؛ لحظة يتجسد فيها معنى الوطن في وجدان الناس. بعض الدول تختار يوم الاستقلال، وأخرى تختار يوم الثورة أو يوم النصر الكبير. أما مصر، ورغم عراقة تاريخها وتعدد محطاتها الفارقة، فلا يزال من الصعب الإشارة إلى يوم واحد يجتمع حوله المصريون باعتباره يومهم الوطني الجامع.

في تاريخنا الحديث عدة أيام مرشحة لذلك. فلدينا ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ التي غيرت شكل الدولة المصرية وأنهت النظام الملكي وفتحت الباب لتحولات اجتماعية وسياسية عميقة. وهناك ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ التي عبّرت عن طموحات جيل كامل في الحرية والتغيير. كما تمثل أحداث ٣٠ يونيو ٢٠١٣ محطة مفصلية في إعادة رسم التوازنات السياسية في البلاد. ولا يمكن بالطبع تجاوز رمزية حرب أكتوبر ١٩٧٣ بما تحمله من معاني الانتصار واستعادة الكرامة الوطنية.

كل هذه الأيام تحمل قيمة تاريخية كبيرة، ولكل منها رمزيته الخاصة. لكن إذا كان المطلوب هو اليوم الذي يمكن اعتباره لحظة ميلاد الوطنية المصرية الحديثة، فإن يوم ٩ مارس يبدو من أكثر الأيام تعبيرًا عن هذا المعنى.

ففي هذا اليوم من عام ١٩١٩ اندلعت شرارة ثورة ١٩١٩، تلك الثورة الشعبية الكبرى التي خرج فيها المصريون في المدن والقرى لأول مرة بهذا الاتساع، متحدين خلف فكرة الوطن الواحد. لم تكن مجرد حركة احتجاج سياسي، بل لحظة فارقة عبّرت عن نضج وعي وطني ظل يتشكل لسنوات طويلة قبلها.

يمكن اعتبار هذا اليوم اللحظة التي أُعلن فيها ميلاد الشخصية المصرية الحديثة؛ تلك الشخصية التي لم تولد فجأة، بل تشكّلت عبر عقود من التراكم الفكري والسياسي منذ حركة أحمد عرابي ورفاقه، ومدرسة الإصلاح الوطني التي ارتبطت بأفكار محمد عبده وتلامذته، وترسخت مع نضال مصطفى كامل ومحمد فريد، وتبلورت فكريًا لدى مفكرين مثل أحمد لطفي السيد، وقاسم أمين وعبد الله النديم وغيرهم، قبل أن تعلن عن نفسها بوضوح في الشارع المصري مع اندلاع ثورة ١٩١٩، حين خرجت جموع المصريين من كل الاتجاهات؛ رجالًا ونساءً، مسلمين ومسيحيين، فلاحين وعمالًا وطلابًا وغيرهم من فئات المجتمع المصري، متحدين خلف فكرة الوطن.

في تلك اللحظة التاريخية لم تعد الوطنية مجرد فكرة تتداولها النخب أو تكتب عنها الصحف، بل أصبحت وجدانًا عامًا يعبر عن شعب كامل يدرك معنى الوطن وحقه في الاستقلال والسيادة.

ولعل من اللافت – وربما من جميل المصادفات – أن يوم ٩ مارس نفسه يحمل في الوجدان المصري معنى آخر بالغ الرمزية؛ فهو أيضًا يوم الشهيد في مصر، الذي تحيي فيه الدولة ذكرى استشهاد الفريق عبد المنعم رياض، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، الذي استشهد على جبهة القتال عام ١٩٦٩ أثناء حرب الاستنزاف.

وكأن التاريخ يمنح هذا اليوم معنى مضاعفًا؛ يوم وُلدت فيه الوطنية المصرية الحديثة بثورة شعبية كبرى، ويوم تُحيي فيه مصر ذكرى التضحية والفداء التي قدمها أبناؤها دفاعًا عن الوطن. بين لحظة ميلاد الفكرة في ثورة ١٩ ولحظة تجسدها في دماء الشهداء، يبدو هذا التاريخ وكأنه يلخص مسار الوطنية المصرية نفسها.

إن اختيار يوم وطني ليس مجرد قرار احتفالي، بل هو اختيار رمزي للحظة تعبر عن روح الأمة وهويتها. وإذا كانت هناك لحظة يمكن القول إن المصريين أعلنوا فيها ميلاد وعيهم الوطني الحديث، فإن ٩ مارس يظل واحدًا من أكثر الأيام تعبيرًا عن تلك اللحظة.

ولعل الوقت قد حان لأن نعيد النظر في هذا التاريخ، لا باعتباره مجرد ذكرى في كتب التاريخ، بل باعتباره مرشحًا جادًا ليكون يوم مصر الوطني؛ اليوم الذي يذكرنا كيف وُلدت فكرة الوطن بمفهومها الحديث في وجدان المصريين، وكيف دفع أبناؤه – عبر الأجيال – ثمن بقائه وكرامته.

م. أحمد القناوي

الأمين العام لحزب العدل

#من_هنا_وهناك

#أقلام_عدلاوية

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة