الرئيسيةمقالات العدلراندا خالد تكتب: غرب إفريقيا بين فوضى السلاح وأزمة الدولة.. مالي نموذجًا

راندا خالد تكتب: غرب إفريقيا بين فوضى السلاح وأزمة الدولة.. مالي نموذجًا

تبدو التطورات الأخيرة في مالي وكأنها تعيد طرح السؤال القديم الجديد: هل الأزمة في غرب إفريقيا أمنية فقط، أم أنها أزمة دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؟ فحادث مقتل وزير الدفاع، وما سبقه من تسريبات حول اختراقات أمنية خطيرة، يعكس مشهدًا أكثر تعقيدًا من مجرد هجوم إرهابي عابر، بل يكشف عن خلل عميق في بنية الدولة نفسها.
في قلب هذا المشهد تقف العاصمة باماكو، التي لم تعد فقط مركزًا للقرار السياسي، بل تحولت إلى ساحة مفتوحة لتقاطعات النفوذ بين الدولة والجماعات المسلحة، الحديث عن عناصر إرهابية تتجول بزي الجيش ليس تفصيلًا عابرًا، بل مؤشر بالغ الخطورة على تآكل الفاصل بين ما هو رسمي وما هو غير نظامي، وهو ما يُعد أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي مؤسسة عسكرية.
المعضلة في مالي لا تنفصل عن السياق الأوسع في غرب إفريقيا، حيث تواجه دول مثل بوركينا فاسو والنيجر ونيجيريا تحديات مشابهة، تتراوح بين تصاعد الإرهاب، وضعف السيطرة على الحدود، وتراجع الثقة الشعبية في مؤسسات الدولة. هذه الدول لم تعد تواجه مجرد جماعات مسلحة، بل كيانات قادرة على التكيف، والتخفي، بل واختراق مؤسسات الدولة أحيانًا.
الإرهاب في هذه المنطقة لم يعد يعتمد فقط على القوة الخشنة، بل بات يوظف أدوات أكثر تعقيدًا، من بينها الحرب النفسية، واختراق الهياكل الرسمية، واستغلال الهشاشة المؤسسية، وعندما تتمكن جماعة من انتحال صفة الجيش، فإن الرسالة هنا ليست فقط تنفيذ عملية، بل ضرب ثقة المجتمع في أهم مؤسساته” المؤسسة العسكرية”.
وهنا تتضح الفجوة بين الدول التي تمتلك “دولة مؤسسات” حقيقية، وتلك التي لا تزال تعاني من هشاشة البنية، فالدولة القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على الرد العسكري، بل بقدرتها على منع الاختراق من الأساس، من خلال منظومة قوانين صارمة، وانضباط مؤسسي، ونظام رقابي فعال.
في هذا السياق، يبرز النموذج المصري كحالة مختلفة في الإقليم، فـمصر، رغم ما واجهته من تحديات أمنية خلال السنوات الماضية، استطاعت الحفاظ على تماسك مؤسساتها، خاصة المؤسسة العسكرية، عبر منظومة قانونية وتنظيمية دقيقة، تجعل من الصعب اختراقها أو انتحال صفتها، هذا لا يعني غياب التحديات، لكنه يعكس وجود “سيستم” مؤسسي قادر على الاحتواء والاستجابة.
الدرس الأهم هنا أن المعركة ضد الإرهاب لا تُحسم فقط في الميدان، بل داخل مؤسسات الدولة نفسها، فحين تكون المؤسسة العسكرية منضبطة، واضحة القواعد، ومحصنة رقابيًا، فإنها لا تترك مساحة للفراغ الذي تتسلل منه الجماعات المتطرفة.
لكن في المقابل، لا يمكن اختزال أزمة غرب إفريقيا في البعد الأمني فقط، فالهشاشة السياسية، وضعف التنمية، وغياب العدالة الاجتماعية، كلها عوامل تغذي البيئة الحاضنة للتطرف.
وبالتالي، فإن أي مقاربة جادة يجب أن تكون شاملة، تبدأ بإصلاح الدولة، ولا تنتهي عند المواجهة الأمنية.
ما يحدث اليوم في مالي هو جرس إنذار، ليس فقط لدول الساحل، بل لكل دولة تواجه تحديات مشابهة، الرسالة واضحة: الدولة التي لا تحصن مؤسساتها من الداخل، ستجد نفسها عاجلًا أو آجلًا أمام تهديدات لا يمكن السيطرة عليها.
في النهاية، تبقى الحقيقة الأبرز أن استقرار الدول لا يُبنى بالسلاح وحده، بل بمنظومة متكاملة من القانون، والانضباط، والثقة بين الدولة والمجتمع.
وبينما تتخبط بعض دول غرب إفريقيا في مواجهة هذا التحدي المركب، يظل الرهان الحقيقي على بناء دولة قوية من الداخل، قادرة على حماية نفسها قبل أن تحارب أعداءها.

#حزبالعدل #صوتالطبقةالمتوسطة #العدلهو_الأمل

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة