الرئيسيةمقالات العدلعماد الدين جادالله يكتب: اقتصاد الظل العاطفي للدولة.. حين تصبح المشاعر أصلا...

عماد الدين جادالله يكتب: اقتصاد الظل العاطفي للدولة.. حين تصبح المشاعر أصلا سياديا غير معلن

في الأدبيات التقليدية، تقاس قوة الدول بمؤشرات صلبة: الناتج المحلي، الاحتياطيات النقدية، كفاءة البنية التحتية، ومعدلات النمو. غير أن هذا القياس، رغم ضرورته، يغفل طبقة أعمق وأكثر خفاء: طبقة لا تدرج في الموازنات، ولا تناقش في البرلمانات، لكنها تستهلك يوميا بوتيرة تفوق استهلاك أي مورد مادي. إنها الطاقة العاطفية للمجتمع.

هذه الطاقة، المتمثلة في الصبر، الاحتمال، القبول، التكيف، وحتى الأمل المشروط، تشكل ما يمكن تسميته باقتصاد الظل العاطفي للدولة: رصيد غير مرئي تعتمد عليه الأنظمة لتجاوز الفجوات بين الإمكانات والالتزامات، وبين الوعود والإنجازات.

الدولة الحديثة، حين تضيق مواردها أو تتعقد أزماتها، لا تتجه فقط إلى أدوات التمويل أو الإصلاح الهيكلي، بل بوعي أو دون وعي تسحب من هذا الرصيد العاطفي. تؤجل قرارا فتُحمل المواطن عبء الانتظار. تمرر سياسة انتقالية فتفترض قدرته على التحمل. تطلق خطابا مطمئنا فتستثمر في قدرته على التصديق. كل ذلك ليس بلا تكلفة، بل هو استهلاك حقيقي لكنه غير مسجل.

اللافت أن هذا الاقتصاد لا يعمل بمنطق السوق، بل بمنطق التراكم النفسي. فالمواطن لا يدفع مرة واحدة، بل يدفع تدريجيا عبر تنازلات صغيرة تتراكم حتى تشكل نمطا عاما من القبول. وفي المقابل، لا تقاس العوائد بعائد مالي مباشر، بل باستمرار الاستقرار وتجنب الانفجارات.

غير أن الخطورة لا تكمن في وجود هذا الاقتصاد، بل في سوء تقدير حدوده. فبعكس الموارد التقليدية، لا يمكن إعادة تعبئة الرصيد العاطفي بقرار إداري أو بضخ مالي. إنه يتطلب ما هو أكثر دقة: إشارات مصداقية، ونتائج ملموسة، وعدالة مدركة، لا بالضرورة كاملة، ولكن كافية لإبقاء الشعور العام بأن التضحيات ليست عبثية.

حين تفشل الدولة في إعادة تغذية هذا الرصيد، يبدأ التآكل الصامت. لا يظهر في شكل احتجاجات فورية، بل في مظاهر أكثر هدوءا وخطورة: انسحاب تدريجي من الشأن العام، تآكل الثقة، تصاعد السخرية، وتحول اللامبالاة إلى سلوك جماعي. في هذه المرحلة، لا يعود المواطن شريكا في تحمل العبء، بل متفرجا على إدارة الأزمة وربما ناقدا لها من خارجها.

الأكثر تعقيدا أن بعض الدول تطور، عن قصد، آليات إدارة لهذا الاقتصاد الخفي. فهي تجزئ الصدمات بدل إطلاقها دفعة واحدة، وتوزع الأعباء زمنيا لتفادي استنزاف مفاجئ، وتحافظ على جرعة محسوبة من الخطاب الإيجابي لتجديد الحد الأدنى من التماسك النفسي. إنها لا تنكر الضغط، لكنها تمنع تركزه.

إلا أن هذا التوازن بالغ الهشاشة. فالإفراط في استهلاك الرصيد العاطفي، حتى لو تم بذكاء، يؤدي إلى ما يشبه التضخم النفسي: حيث تفقد الكلمات قيمتها، وتفقد الوعود قدرتها على التسكين، وتتحول أدوات التهدئة إلى محفزات شك. عندها، لا تعود المشكلة في حجم الأزمة، بل في فقدان القدرة على احتوائها نفسيا.

هنا يتغير تعريف القوة السياسية ذاته. لم تعد القوة هي القدرة على فرض القرار، بل القدرة على إدارة التحمل الجماعي دون كسره. ولم يعد النجاح هو غياب الأزمات، بل استمرار قابلية المجتمع لتحملها.

في هذا السياق، يمكن القول إن الدول التي تدرك هذا الاقتصاد وتحسن إدارته لا تسعى إلى استنزاف مواطنيها، بل إلى تنظيم استهلاك طاقتهم العاطفية بحيث لا تتحول من مورد داعم إلى نقطة انهيار. أما الدول التي تتجاهله، فتتعامل مع المجتمع كخزان لا ينضب، إلى أن تكتشف متأخرة أن ما كان يعتبر صبرا لم يكن سوى رصيد يقترب من النفاد.

في النهاية، لا تختبر الدول فقط عند لحظة الأزمة، بل عند اللحظة التي ينفد فيها الصبر قبل أن تنفد الموارد. تلك هي النقطة التي ينتقل فيها اقتصاد الظل العاطفي من كونه أداة استقرار إلى كونه إنذارا استراتيجيا بأن معادلة الحكم ذاتها تحتاج إلى إعادة صياغة. #حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة