بين مطرقة الديون وسندان السجن، يقف الرجل المصري اليوم في مواجهة ترسانة من القوانين والضغوط الاجتماعية التي أعادت رسم خارطة القوى داخل الأسرة. ولم تعد “القوامة” في منظور البعض سوى عبء مادي وقانوني، بل إن واقعة “فتاتي أسيوط” الأخيرة، اللتين حُكم عليهما بالسجن بتهمة تزوير مفردات مرتب والدهما للحصول على نفقة مبالغ فيها، تدق ناقوس الخطر حول سؤال جوهري: هل تحول الرجل فعلاً إلى الطرف الأضعف في المعادلة الأسرية؟
في قضية أسيوط، وضع القدر هذا الأب أمام خيارين كلاهما مرّ؛ فإما الصمت والقبول بتقديم “مفردات مرتب مزورة” تجبره على دفع مبالغ تفوق طاقته وتؤدي به حتماً إلى “دين” لا يستطيع سداده، ومن ثم السجن خلف قضبان “قضايا النفقة”، وإما الدفاع عن نفسه وإثبات التزوير، وهو ما أدى في النهاية إلى سجن ابنتيه. هذه المفارقة المأساوية تكشف عن خلل عميق؛ فكيف وصل الحال بالأبناء لاستخدام سلاح التزوير ضد من يفترض أنه عائلهم؟ وكيف أصبح القانون ساحة لمعارك كسر العظام بدلاً من كونه وسيلة لضمان الحقوق بالعدل؟
يرى الكثير من الخبراء أن بعض بنود قانون الأحوال الشخصية، رغم هدفها النبيل في حماية المرأة والطفل، قد انحرفت في بعض الأحيان لتصبح وسيلة “ضغط” على الرجل. فالرجل اليوم يجد نفسه محاصراً بـ “قائمة المنقولات” التي تحولت لسيف مسلط على رقاب الشباب، وقوانين الرؤية التي تحرمه من ممارسة دوره التربوي، وصولاً إلى تقديرات النفقة التي تعتمد أحياناً على تحريات مكتبية غير دقيقة أو، كما رأينا، أوراقاً مزورة.
إن تحول الرجل إلى “صراف آلي” فحسب، مع تجريده من سلطته المعنوية أو حمايته القانونية من التعسف، جعل منه الطرف الأضعف نفسياً وقانونياً. فهو يخشى المطالبة بحقه حتى لا يواجه اتهامات بتبديد المنقولات، ويخشى الدفاع عن ماله حتى لا يجد نفسه في مواجهة قضائية مع أبنائه.
إن فلسفة القانون يجب أن تقوم على “التوازن”. فالمجتمع الذي تستقوي فيه جهة على أخرى باستخدام الثغرات القانونية هو مجتمع في طريقه للتفكك الأسري. إن حالة أب أسيوط ليست مجرد واقعة جنائية، بل هي صرخة مكتومة لآلاف الآباء الذين يشعرون بأنهم مهددون في أرزاقهم وحرياتهم بسبب إجراءات كيدية قد تُتخذ ضدهم تحت غطاء القانون.
لقد آن الأوان لفتح ملف قانون الأحوال الشخصية برؤية شاملة، لا تنظر للرجل كمتهم دائم، ولا للمرأة كضحية مطلقة. نحن بحاجة إلى تشريع يحمي الأبناء من ضياع النفقة، وبذات القدر يحمي الآباء من “تغول” الكيد والتزوير. إن سجن بنتين بسبب والدهما هو خسارة إنسانية فادحة، لكنه أيضاً نتيجة طبيعية عندما يوضع الرجل في زاوية ضيقة، لا يجد فيها مفراً من حماية حريته إلا بهدم أسرته.
متى يعود للرجل حقه في الحماية من التعسف؟ متى ندرك أن استقرار المجتمع يبدأ من إنصاف الطرفين لا بتمكين طرف على حساب تحطيم الآخر؟
#حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل



