الرئيسيةمقالات العدلد.وليد الشاذلي يكتب: من نكون حينما تنطفئ الشاشات؟

د.وليد الشاذلي يكتب: من نكون حينما تنطفئ الشاشات؟

في زمنٍ تتكاثر فيه الشاشات وتتشابك فيه الصور أكثر من المعاني، أصبح الإنسان يعيش داخل ما يشبه “مجتمع المرايا”، حيث لا تُرى الأشياء كما هي، بل كما تنعكس على عيون الآخرين. لم يعد التقييم نابعًا من جوهر الإنسان، بل من صورته كما تظهر، من زاوية ضوء، أو لحظة اختيار، أو لقطة محسوبة. وهنا، يتحول الإنسان من كيان حي إلى انعكاس عابر، يُقبل إن بدا جميلاً، ويُهمَّش إن خرج عن الإطار.

ومع هذا التحول، أصبح الانطباع حكمًا، والصورة قرارًا، والكلمة العابرة شهادة قد تلاحق صاحبها طويلًا. في هذا العالم، لا أحد ينتظر الحقيقة الكاملة، لأن السرعة لا تسمح، ولا السطحية تهتم. تُبنى العلاقات على مشاهد مختصرة، وتُهدم على تفاصيل ناقصة، وكأن الإنسان يمكن اختزاله في لحظة، أو تعريفه في منشور.

ثم يأتي خطر أكبر، وهو ذوبان الفروق، حيث تتشابه الوجوه وتُعاد نفس الأنماط، وكأن الجميع يسير نحو قالب واحد. لم يعد التميز قيمة، بل أصبح الاختلاف مخاطرة، فيلجأ كثيرون إلى التقليد، لا حبًا فيه، بل هروبًا من الرفض. وهكذا تضيع الهوية شيئًا فشيئًا، حتى يصبح الإنسان نسخة مكررة من انعكاسات متعددة، لا يُعرف فيها الأصل من الصورة.

وسائل التواصل لم تخلق هذا الواقع فقط، بل عمّقته، فجعلت لكل إنسان مرآته الخاصة التي يعرض فيها ما يريد، ويخفي ما لا يناسب الصورة. المشكلة ليست في العرض، بل في التصديق؛ في أن ما نراه هو الحقيقة، بينما هو في جوهره اختيار انتقائي. نحن لا نتعامل مع بشر كما هم، بل مع نسخ مصممة بعناية، ثم نبني عليها أحكامنا ومشاعرنا.

وفي خضم هذا كله، تبدأ الذات في الاهتزاز، فيفقد الإنسان يقينه بنفسه، ويستبدل سؤاله الحقيقي “من أنا؟” بسؤال آخر أكثر قسوة: “كيف يراني الآخرون؟”. ومع تكرار هذا السؤال، يصبح التقييم الخارجي جزءًا من تعريف الذات، فيرتفع الإنسان وينخفض تبعًا لانعكاسات لا تعكسه بالكامل.

لكن النجاة ليست في كسر المرايا، بل في فهمها؛ أن ندرك أن الانعكاس ليس حقيقة، وأن الصورة ليست كيانًا، وأن القيمة لا تُقاس بعدد من ينظر إلينا، بل بمدى صدقنا مع أنفسنا حين لا ينظر أحد. وربما يبدأ الطريق الحقيقي حين تنطفئ الشاشات، وتختفي تلك المرايا المؤقتة، ليبقى الإنسان وحده أمام نفسه، بلا زينة ولا تصفيق.

هناك فقط يظهر السؤال الصادق: من نكون حقًا؟ وهناك تبدأ الإجابة، حين نختار أن نرى أنفسنا كما نحن، لا كما نُعرض. حينها تتحول المرايا من سجنٍ للصور إلى نافذة للفهم، ويصبح الإنسان شاهدًا على ذاته، لا مجرد انعكاسٍ عابر في عيون الآخرين. #حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة