الرئيسيةمقالات العدلعماد الدين جادالله يكتب: استهلاك الأزمات.. حين تتحول الهزّات إلى أسواق والضيق...

عماد الدين جادالله يكتب: استهلاك الأزمات.. حين تتحول الهزّات إلى أسواق والضيق إلى هوامش ربح

في كل أزمة كبرى ينشغل السطح العام بلغة الخسارة انكماش وتعثر وتضخم وتراجع لكن تحت هذا السطح تنشط طبقة أخرى من الاقتصاد لا تقاس بمؤشرات البورصات ولا تلتقط في تقارير النمو طبقة تجيد قراءة الخلل لا باعتباره عطبا يجب إصلاحه بل باعتباره فرصة يجب تنظيمها هنا لا تدار الأزمة كطارئ بل تستثمر كبيئة عمل

الأزمة في تعريفها البارد هي اختلال مفاجئ بين القدرة والرغبة بين الدخل والاحتياج بين العرض والطلب لكنها في تعريفها العملي إعادة توزيع سريعة للفرص فحين يضيق الدخل لا يتوقف الاستهلاك بل يتغير شكله وحين تتعثر القدرة على الشراء الفوري لا يختفي الطلب بل يبحث عن قنوات بديلة وهذه القنوات هي التي تنشئ اقتصادا موازيا يتغذى على القيد لا على الوفرة

أول هذه القنوات اقتصاد التقسيط ليس مجرد أداة تمويل بل هندسة زمنية للاستهلاك في الأوقات المستقرة يكون التقسيط خيارا لتحسين الرفاه أما في الأزمات فيتحول إلى جسر إجباري بين الحاجة والقدرة الشركات التي تحسن تصميم هذا الجسر لا تبيع سلعا فقط بل تبيع إمكانية الاستمرار تجزئ الألم إلى دفعات صغيرة وتعيد تعريف السعر من رقم صادم إلى زمن ممتد وهنا يتغير مركز الربح من هامش السلعة إلى هامش الزمن

ثم يأتي اقتصاد الصيانة والإطالة حيث تتراجع ثقافة الاستبدال لصالح ثقافة الإبقاء في زمن الرخاء يكافأ الجديد أما في زمن الشح فيكافأ ما يصمد ورش الصيانة وقطع الغيار وخدمات الإصلاح السريع كلها تتحول من خدمات هامشية إلى بنية تحتية غير مرئية لاستقرار الحياة اليومية الربح هنا لا يتولد من بيع منتج جديد بل من إطالة عمر المنتج القديم ومن تحويل التهالك إلى دورة اقتصادية متكررة

أما اقتصاد البدائل الرخيصة فيعمل بمنطق أكثر دهاء لا ينافس الجودة بل يعيد تعريفها يقدم سلعا كافية بدلا من مثالية ويعيد صياغة التوقعات بحيث يصبح المقبول هو ما كان يعد سابقا استثناء العلامات غير المعروفة والمنتجات المحلية منخفضة التكلفة والتغليف البسيط كلها تشكل سردية جديدة الجودة ليست معيارا مطلقا بل وظيفة للسياق وفي هذه السردية ينشأ ربح من الفجوة بين ما يريده المستهلك وما يستطيع تحمله

وراء هذه القطاعات الثلاثة تعمل آلية أعمق إعادة تسعير السلوك الأزمة لا تغير الأسعار فقط بل تعيد ترتيب الأولويات وتعيد برمجة قرارات الشراء الخوف غير المعلن من المستقبل يدفع إلى تقليل المخاطرة إلى تفضيل المؤكد على الأفضل إلى شراء الآن الممكن بدل انتظار الغد المثالي وهنا تصبح الشركات التي تجيد قراءة المزاج النفسي لا البيانات فقط أقدر على تحويل القلق إلى تدفق نقدي مستقر

لكن الوجه الآخر لهذه الديناميكية لا يخلو من مفارقة أخلاقية حين تتحول الأزمة إلى سوق يصبح هناك من يستفيد من استمرارها ليس بالضرورة عبر صناعتها بل عبر التكيف معها إلى درجة الاعتماد عليها تنشأ مصالح صامتة في بقاء مستوى معين من الضيق مستوى لا يسقط الطلب ولا يسمح له بالتعافي الكامل إنها منطقة رمادية بين الانهيار والانتعاش تدار فيها الأرباح بحساسية عالية يكفي من الألم لينشط السوق ولا يكفي ليدمره

في هذا السياق يتبدل دور الدولة أيضا فبدل أن تكون صانعا مباشرا للثروة تتحول أحيانا إلى مدير لتدفقات الأزمة تنظم الائتمان وتعيد توجيه الدعم وتضبط الإيقاع بين الانكماش والانفراج النجاح لا يقاس فقط بخفض المؤشرات السلبية بل بقدرة المنظومة على منع الانقطاع الكامل في دوائر الاستهلاك إنها إدارة الاستمرارية تحت الضغط

الأخطر والأدق أن هذه الأنماط لا تختفي بانتهاء الأزمة بل تترك بصمتها في سلوك طويل الأمد من تعلم شراء الكافي لن يعود بسهولة إلى المثالي ومن اعتاد التقسيط كضرورة سيحتفظ به كعادة ومن وجد في الصيانة بديلا سيبقيها خيارا وهكذا تتحول الأزمة من حدث مؤقت إلى مشكل دائم للسوق

إن استهلاك الأزمات ليس انحرافا عن الاقتصاد بل أحد وجوهه الأكثر واقعية إنه الاقتصاد حين يجرد من رفاهيته ويختبر في قدرته على البقاء وفي هذا الاختبار لا يربح الأقوى بالضرورة بل الأقدر على إعادة تعريف اللعبة من يبيع الزمن بدل السلعة ومن يطيل العمر بدل الاستبدال ومن يقنن التوقعات بدل رفعها هناك في تلك المنطقة بين الحاجة والقدرة تصنع أرباح لا ترى بوضوح لكنها تحدد بصمت من ينجو ومن يعيد تشكيل السوق على صورته. #حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة