السؤال الذي يتقافز على الألسن بعد كل إعلان متكرر عن زيادة المعاشات، لا يقتصر على توقيت توافر السلع الأساسية بأسعار تناسب دخول المواطنين، بل يتجاوزه إلى التساؤل حول جدوى نص المادة (24) من قانون التأمينات الاجتماعية رقم 148 لسنة 2019، والتي تنص على أن: “تُصرف المعاشات الشهرية وتُزاد سنويًا بنسبة لا تقل عن معدل التضخم المعلن من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء”.
ففي يوليو 2024، أُعلنت زيادة المعاشات بنسبة 15%، بينما سجل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء معدل تضخم سنوي تجاوز 35% في الشهر ذاته، وهو ما يعني أن النص القانوني تحوّل إلى مظلة شكلية لا تحمي القوة الشرائية، بل تسهم عمليًا في إعادة توزيع الدخل لصالح الدائنين والمستوردين، على حساب نحو 11 مليون صاحب معاش، وفقًا لبيانات هيئة الرقابة المالية.
هنا تبرز أهمية نظرية التوازن العام لدى ليون والراس وباريتو، والتي تقوم على أن أي تدخل في سوق ما ينعكس بالضرورة على بقية الأسواق. فالقانون الذي يتعامل مع أصحاب المعاشات وكأنهم خارج دورة الإنتاج، رغم أنهم يمثلون أكثر من ربع الأسر المصرية وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يخلق اختلالًا هيكليًا واضحًا. فعندما ارتفع سعر صرف الجنيه من 30.9 إلى أكثر من 48 جنيهًا للدولار بين مارس 2023 ومارس 2024، ارتفعت أسعار السلع المستوردة، كالقمح والدواء، بنسب تراوحت بين 60% و80%، في حين لم تزد المعاشات إلا بنسبة 15% فقط.
وهذا يعني أن أصحاب المعاشات يتحملون وحدهم عبء تراجع قيمة العملة، في غياب أي آلية تعويضية ينص عليها القانون، بما يُعد انتهاكًا صريحًا لمبدأ التوازن العادل للثروة، القائم على أن الثروة الوطنية ليست غنيمة للمضاربين، بل أمانة تُوزع وفقًا للاحتياج والإسهام.
ورغم ذلك، تجاهلت حزم الحماية الاجتماعية الأخيرة أصحاب المعاشات، على الرغم من مرور عام كامل على الإعلان عن “دعمهم” ضمن وثيقة سياسة ملكية الدولة، دون تضمين إجراءات تنفيذية واضحة. وقد بررت الحكومة هذا التجاهل بأن “المعاشات لا تندرج ضمن الفئات الأولى بالرعاية”، وهو ما يتناقض مع نص المادة (17) من الدستور المصري، التي تُلزم الدولة بتوفير الرعاية الاجتماعية لأصحاب المعاشات بما يضمن لهم حياة كريمة.
ونتيجة لذلك، تراجعت القوة الشرائية للمعاش المتوسط، البالغ نحو 1500 جنيه شهريًا، إلى ما يعادل قرابة 450 جنيهًا فقط مقارنة بعام 2020، وفقًا لتقديرات بعض مراكز البحوث الاجتماعية، وهو ما دفع نسبة كبيرة من أصحاب المعاشات إلى بيع أصولهم أو اللجوء إلى الاقتراض، في ظل غياب بيانات رسمية دقيقة ومعلنة.
إن الاستقرار الاقتصادي الذي تسعى الدولة إلى تحقيقه عبر السياسات النقدية والمالية سيظل هدفًا منقوصًا ما لم يُصاحبه إصلاح هيكلي حقيقي في آليات توزيع الثروة. فالاستقرار لا يتحقق فقط بضبط سعر الصرف أو السيطرة على معدلات التضخم، بل يتطلب مراجعة دورية لنصوص قوانين المعاشات، وربطها فعليًا بمؤشر أسعار المستهلكين، بدلًا من الاكتفاء بمعدلات تضخم انتقائية. كما يستوجب تفعيل الالتزامات الواردة في المادة (25) من القانون رقم 148 لسنة 2019، المتعلقة بمكافحة الفقر متعدد الأبعاد.
دون ذلك، سيظل أصحاب المعاشات رهائن لنصوص قانونية قاصرة، وسيبقى الاقتصاد أسير اختلالات هيكلية تعوق تحقيق أي توازن عادل ومستدام للثروة. #حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل




