لا ينكر منصف بأن تراجع حصة الغاز الطبيعي في مزيج الطاقة بأي دولة هو أقصر طريق لطرد الاستثمارات الأجنبية، لأن المستثمر لا يبحث عن أرض أو عمالة رخيصة فقط، بل يبحث أولاً عن ضمان أن مصنعه لن يتوقف بسبب نقص الوقود. ولكن في مصر انخفض إنتاج الغاز من 49.29 مليار متر مكعب عام 2024 إلى 42.22 مليار متر مكعب عام 2025 بنسبة تراجع 16.4%، بينما خلال الربع الأول من 2026 تراجع بنسبة 10.9% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وانخفضت حصته في توليد الكهرباء بينما تتراكم مستحقات الشركات العالمية لتصل إلى 6.1 مليار دولار. شركة “بي بي” التي تمثل 60% من إنتاج الغاز المصري بدأت تدرس الانسحاب الجزئي، رغم استثماراتها التي تجاوزت 35 مليار دولار، بل هي إشارة إنذار مبكر لانهيار ثقة المستثمر الأجنبي. مصر كانت تعتمد على الغاز بنسبة 81% في توليد الكهرباء، مما يعني أن أي خلل في هذا القطاع يصيب الاقتصاد كله بالشلل.
انخفاض الاستثمارات يؤدي لانخفاض الإنتاج، وانخفاض الإنتاج يدفع الشركات لمزيد من التجميد أو التخارج. هذه هي الحلقة المفرغة التي تقتل أي فرصة لجذب رأس المال الأجنبي. حيث قامت الحكومة المصرية باستيراد 129 شحنة غاز مسال في عام 2025 وحده، وهذا الرقم يثبت أن الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك تتسع بسرعة. هنا يأتي السؤال الأكثر أهمية كيف يمكن لدولة أن تظل جاذبة للاستثمارات حتى عندما يكون إنتاجها من الغاز في تراجع مستمر؟
لو نظرنا إلى تجربة تركيا، وهي ليست دولة غنية بالغاز الطبيعي، بل تعتمد بشكل كبير على الاستيراد من روسيا وإيران وأذربيجان عبر خطوط الأنابيب، وكذلك على الغاز المسال من قطر والجزائر ونيجيريا. ورغم أن إنتاجها المحلي من الغاز لا يتجاوز 5% فقط من استهلاكها، إلا أنها استطاعت أن تحافظ على تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة بشكل ملفت. كيف فعلت ذلك؟ لأنها بنت نموذجاً يقوم على مبدأ “الأمن التعاقدي” بدلاً من “الاكتفاء الذاتي”. تركيا وقّعت عقود استيراد طويلة الأجل تمتد لعشرين أو خمسة وعشرين عاماً، ووفرت للمستثمر الأجنبي ما يحتاجه حقاً القدرة على التنبؤ بأسعار الطاقة وتوفرها لسنوات قادمة. كما أنشأت شركة بوتاش الحكومية التي تعمل كصندوق ائتمان مركزي، يتولى شراء الغاز من الخارج وتوزيعه على المصانع والشركات بأسعار مستقرة ومعلنة.
أما كوريا الجنوبية فقامت بخلق الثروة
كوريا لا تمتلك قطرة غاز واحدة في أراضيها، وتعتمد على استيراد الغاز المسال بنسبة 100% من قطر وأستراليا والولايات المتحدة وروسيا. ومع ذلك، كانت كوريا ولا تزال وجهة جاذبة للاستثمار الأجنبي حتى في أسوأ فترات الانكماش العالمي. لأنها حولت أمن الطاقة من ملف تقني إلى قضية سيادة وطنية. الكوريون أسسوا شركة كوريا للغاز التي تدير أكبر محطات استيراد الغاز المسال في العالم، ووقّعوا عقوداً استراتيجية مع منتجين كبار مثل قطر تمتد لأكثر من 25 عاماً بأسعار شبه ثابتة. كما قدموا للمستثمر الأجنبي حوافز ضخمة مرتبطة مباشرة بتوفر الطاقة فكلما زاد الاستثمار في كوريا، حصلت على أولوية في تخصيص احتياجاتها من الغاز والكهرباء بأسعار مدعومة ومضمونة.
الفرق بين النموذجين التركي والكوري من جهة، وما يحدث في مصر من جهة أخرى، هو الفرق بين “الإدارة الاستباقية لأزمة الطاقة” و”ردود الفعل المتأخرة”. تركيا وكوريا لم تنتظرا حتى ينضب الغاز أو ترتفع الأسعار ليتحركا، بل بنيا منظومة قانونية وتعاقدية وحكومية متكاملة تجعل المستثمر يشعربالطمأنينة. في المقابل، مصر لا تزال تعاني من تقلبات موسمية في إمدادات الغاز، ومن تأخير في صرف المستحقات، ومن نقص في الشفافية حول الأسعار والعقود المستقبلية. كل هذه العوامل تجعل المستثمر يفضل الذهاب إلى تركيا أو كوريا أو أي دولة أخرى توفر له ما هو أهم من الغاز نفسه، وهو عامل الاستقرار.
لذلك من تجربة تركيا نتعلم أن غياب الغاز المحلي ليس عذراً لطرد الاستثمارات، بل يمكن تعويضه بعقود ذكية واستقرار تعاقدي. ومن كوريا نتعلم أن أمن الطاقة يمكن أن يتحول إلى ميزة تنافسية تتفوق بها على الدول الغنية بالموارد الطبيعية. أما مصر تمتلك غازاً وفيراً مقارنة بتركيا وكوريا، فلماذا لا تستفيد من هذه الثروة بشكل أفضل؟ وهو فن إدارة الثروة الذي يعتبر أصعب من إدارة الندرة.
لأن إدارة الثروة تتطلب مجموعة من الخطوات مثل
إنشاء آلية شفافة وملزمة قانونياً لصرف مستحقات شركات النفط العالمية وتخصيص صندوق سيادي لتمويل هذه المستحقات من عوائد قناة السويس أو تحويلات المصريين بالخارج، و تحويل إدارة الثروة من نظرة استهلاكية قصيرة الأجل إلى رؤية استثمارية طويلة الأمد، وذلك بربط حوافز المستثمرين الأجانب مباشرة بتوفر الطاقة، بحيث كلما زاد استثمار في مصر حصل على أولوية في تخصيص احتياجاته من الغاز والكهرباء بأسعار مضمونة، وتشجيع الاستثمار في تخزين الغاز الاستراتيجي تحت الأرض لمواجهة تقلبات الأسعار الموسمية، كماتفغل تركيا في كهوف “توز غولي”
ومن هنا نتميز بعوائد الثروة على عكس تركيا وكوريا لم تكن لديهما هذه الثروة، ولذلك اضطرتا إلى الابتكار والتخطيط والإدارة الحكيمة لخلق الثروة . #حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل




