الرئيسيةمقالات العدلد. محمد فؤاد يكتب: شكرًا حسن عبد الله.. لكن الدرس أهم من...

د. محمد فؤاد يكتب: شكرًا حسن عبد الله.. لكن الدرس أهم من الشكر

أعلن وزير البترول والثروة المعدنية وصول مستحقات الشركاء الأجانب في قطاع البترول والغاز إلى صفر لأول مرة منذ سنوات، وهو خبر يستحق الترحيب بلا شك، ليس فقط لأنه يغلق أحد أكثر الملفات تعقيدًا في القطاع، بل لأنه يزيل عقبة رئيسية كانت تقف أمام عودة الاستثمارات وزيادة الإنتاج واستعادة الثقة بين الدولة وشركائها.

فبينما يتجه البعض إلى الاحتفاء بالنتيجة النهائية فقط، أعتقد أن من المهم التوقف أمام الدروس التي يقدمها هذا الملف، لأنها قد تكون أكثر أهمية من الإنجاز نفسه، خاصة وأنها تحدد لصانع القرار آلية حاسمة لاستقرار هذا القطاع الحيوي للغاية.

قبل سنوات كان الحديث واضحًا بالنسبة لكثير من متابعي القطاع، ومضمونه أن تسوية مستحقات الشركاء ليست رفاهية، وليست منحة تقدمها الدولة للمستثمرين، بل هي شرط أساسي لاستمرار الاستثمار والإنتاج، فشركات البترول لا تعمل بالشعارات ولا بالوعود، وإنما وفق حسابات اقتصادية واضحة، وكم من المقالات كتبتها في هذه المساحة منذ أعوام متحدثًا عن ضرورة التحرك.

مستحقات الشركاء الأجانب

فعندما تتراكم المستحقات تتراجع الاستثمارات، وتتأجل خطط التنمية، وتنخفض معدلات الحفر والاستكشاف، يصبح من الطبيعي أن يتأثر الإنتاج عاجلًا أم آجلًا، ولهذا كنت دائمًا أرى أن تكلفة تأجيل الحل ستكون أكبر كثيرًا من تكلفة الحل نفسه.

ومن الإنصاف هنا أن يُحسب لوزارة البترول الحالية أنها منذ اليوم الأول لم تتعامل مع الوضع باعتباره أمرًا يمكن التعايش معه، بل اعتبرته أولوية قصوى يجب إنهاؤها بالكامل، إذ كان هناك إصرار واضح منذ تولي المهندس كريم بدوي، على استعادة ثقة الشركاء وتسوية الالتزامات المتراكمة وإرسال رسالة مختلفة إلى المستثمرين مفادها أن الدولة عازمة على معالجة جذور الأزمة وليس الاكتفاء بإدارتها.

لكن الإنصاف يقتضي أيضًا ألا نختزل التاريخ في اللحظة الراهنة، فالحقيقة أن الوزير السابق المهندس طارق الملا كان ينادي منذ سنوات بضرورة تسوية المستحقات وتوفير الموارد اللازمة لسدادها حفاظًا على الاستثمار والإنتاج، والمشكلة لم تكن في إدراك خطورة الملف، وإنما في أن الظروف الاقتصادية وأزمة النقد الأجنبي التي مرت بها البلاد لم تسمح حينها بالوصول إلى حل كامل ومستدام.

وهنا تظهر نقطة جوهرية كثيرًا ما تغيب عن النقاش العام، فالأزمة لم تكن في قطاع البترول وحده، ولم تبدأ أصلًا داخل وزارة البترول، فجذور المشكلة كانت في الاختلالات الأوسع التي أصابت الاقتصاد المصري خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها أزمة النقد الأجنبي التي جعلت الدولة كلها تواجه قيودًا صعبة أثرت على قدرتها في الوفاء بالتزاماتها الخارجية.

ولهذا فإن الحديث عن إنهاء المتأخرات لا يمكن فصله عن التحولات التي شهدتها إدارة السياسة النقدية خلال الفترة الأخيرة، فكما أنه من الواجب الإشادة بجهود وزارة البترول في إدارة الملف، فمن الواجب أيضًا الاعتراف بأن السياسات التي اتبعها البنك المركزي خلال إدارة حسن عبد الله ساهمت في إزالة كثير من التشوهات التي تراكمت خلال السنوات السابقة، فرغم أن الرجل ورث أزمة معقدة ومتشابكة، لكن العودة التدريجية إلى سعر صرف أكثر واقعية وتحسين القدرة على تدبير النقد الأجنبي وإعادة بناء الثقة في السوق كانت عوامل أساسية في الوصول إلى ما نراه اليوم.

ولهذا أقول: نعم، شكرًا حسن عبد الله.. ليس لأن البنك المركزي سدد المستحقات بنفسه، فهذه مسؤولية دولة كاملة، ولكن لأن معالجة الاختلالات النقدية التي تراكمت عبر سنوات كانت شرطًا لازمًا لإنهاء الملف، وعليه يصح القول بأن إدارة حسن عبد الله نجحت في محو جزء كبير من الآثار السلبية التي خلفتها سياسات نقدية سابقة دفعت الاقتصاد إلى أزمة حادة في النقد الأجنبي.

لكن رغم أهمية ما تحقق، يبقى الدرس الأهم هو أن المستحقات لم تكن سوى جزء صغير من الفاتورة، ففي يونيو 2024 بلغت مستحقات الشركاء نحو 6.1 مليار دولار، وهذا الرقم لم يكن سوى الجزء الظاهر من الأزمة، أو ما يمكن وصفه بالفاتورة المحاسبية المباشرة، أما الفاتورة الاقتصادية الحقيقية فكانت أكبر بكثير من قيمة المتأخرات نفسها.

ولا تقتصر المفارقة على أن تكلفة التأجيل تجاوزت قيمة المتأخرات، بل إن مصر أصبحت مضطرة خلال أشهر الصيف الثلاثة فقط إلى تدبير ما يقرب من 8 مليارات دولار لتأمين احتياجاتها من الغاز الطبيعي والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، أي أن فاتورة استيراد صيف واحد أصبحت أكبر من كامل المستحقات المتأخرة التي ظل الاقتصاد يناقشها لسنوات.

فتراجع الإنتاج المحلي من الغاز خلال السنوات الأخيرة أجبر الدولة على زيادة الاعتماد على الواردات، سواء من الغاز الطبيعي المسال أو من المنتجات البترولية المختلفة، كما أدى إلى فقدان إيرادات وفرص اقتصادية كان يمكن تحقيقها لو استمرت الاستثمارات وأعمال التنمية بالمعدلات المطلوبة.

هنا تحديدًا يظهر الفرق بين من يرى المشكلة كرقم في دفاتر الحسابات ومن يراها كقضية اقتصادية متكاملة، فالمتأخرات كانت 6.1 مليار دولار فقط، إلا أنه مع تراجع الإنتاج وتأخر أعمال التنمية وزيادة الاعتماد على الواردات، تحمل الاقتصاد فاتورة واردات بترولية تقترب من 40 مليار دولار.

وهنا يظهر بوضوح أن المشكلة لم تكن في قيمة المستحقات ذاتها، بل في الثمن الذي دفعناه نتيجة تأخير معالجتها، لتكون الرسالة الأهم أن الحفاظ على ثقة المستثمرين وتسوية الالتزامات في وقتها لم يكن أبدًا مطلبًا يخص الشركات الأجنبية وحدها، بل كان في جوهره دفاعًا عن أمن الطاقة المصري وعن قدرة الدولة على تجنب فاتورة استيراد أكبر بكثير من أي متأخرات كان يُعتقد أن تأجيل سدادها يوفر أموالًا للخزانة العامة.

ففي النهاية، لم يوفر التأجيل شيئًا، بل جعلنا ندفع أكثر، ولهذا فإن الحكم الحقيقي على نجاح هذا الملف لن يكون عند الوصول بالمستحقات إلى صفر، بل عند النظر إلى معدلات الإنتاج والاستثمار خلال السنوات المقبلة، خاصة وأنه إذا نجح القطاع في استعادة زخمه، وزادت أعمال البحث والاستكشاف والتنمية، وبدأ الإنتاج المحلي في التعافي بصورة مستدامة، عندها فقط يمكن القول إن الأزمة أصبحت بالفعل وراءنا.

وفي النهاية، نعم، شكرًا لكل من ساهم في الوصول إلى هذه اللحظة، من وزارة البترول إلى وزارة المالية والبنك المركزي وكل الجهات التي شاركت في معالجة الملف، لكن الشكر وحده لا يكفي.

فالأهم أن نتذكر أن الاقتصاد لا يعاقبنا فقط على القرارات الخاطئة، بل يعاقبنا أيضًا على القرارات الصحيحة التي تأتي متأخرة، كما أن تكلفة تأجيل المواجهة غالبًا ما تكون أعلى بكثير من تكلفة المواجهة نفسها.

وهذا هو الدرس الأهم الذي يجب أن يظل حاضرًا في أذهاننا ونحن نطوي صفحة مستحقات الشركاء.. ليس أن الدولة سددت ما عليها، بل أن الانتظار جعل الاقتصاد يدفع فاتورة أكبر بكثير مما كان يمكن أن يدفعه لو تم التحرك في الوقت المناسب.

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة