الرئيسيةمقالات العدلنيفين ياقوت تكتب: أصحاب المعاشات بين قسوة الواقع وغياب الحماية

نيفين ياقوت تكتب: أصحاب المعاشات بين قسوة الواقع وغياب الحماية

تشير الأرقام إلى أن نحو 11.5 مليون مواطن من أصحاب المعاشات يعيشون واقعًا اقتصاديًا صعبًا، في ظل حصول 80% منهم على أقل من 3000 جنيه شهريًا، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية أبسط احتياجات الحياة، مما يضع شريحة كبيرة منهم تحت خط الفقر. وفي المقابل، لا تتجاوز نسبة القادرين على العمل منهم سوى أعداد محدودة، الأمر الذي يعكس حجم المأزق الحقيقي الذي يواجه هذه الفئة.”

لم يكن أصحاب المعاشات يومًا عبئًا على المجتمع، بل كانوا عماده الحقيقي، وسنده الذي استند عليه لسنوات طويلة. هم الذين عملوا، وربّوا، وضحّوا، وأسهموا في بناء هذا الوطن، حتى جاء الوقت الذي كان من المفترض أن ينالوا فيه قسطًا من الراحة والكرامة. لكن الواقع اليوم يفرض صورة مغايرة تمامًا.

لقد شهدت الحياة الاقتصادية في السنوات الأخيرة تحولات حادة وسريعة، لم تترك مجالًا للتدرج أو التكيف، بل فرضت واقعًا جديدًا بتكاليف معيشية مرتفعة تفوق قدرة الكثيرين، وعلى رأسهم أصحاب المعاشات. فالمعاش الذي كان يومًا كافيًا لتوفير حياة مستقرة، أصبح اليوم عاجزًا عن تغطية أبسط الاحتياجات الأساسية.

تكمن المأساة في أن هذه الفئة لم تكن مهيأة لمثل هذا التحول. فبين ماضٍ اتسم بالبساطة النسبية، وحاضر يتطلب مهارات مستمرة وقدرة على التكيف والمنافسة، وجد أصحاب المعاشات أنفسهم في فجوة واسعة لا يمكن عبورها بسهولة. لم يعد بمقدورهم بدء حياة جديدة، أو خوض تجارب اقتصادية مجازفة، أو حتى مجاراة إيقاع الحياة المتسارع كما يفعل الشباب.

وفي الوقت الذي يستطيع فيه الشباب—رغم صعوبة الظروف—البحث عن فرص إضافية من خلال خوض مجالات عمل جديدة، يقف أصحاب المعاشات عند حدود فرضتها عليهم السن والظروف الصحية والاجتماعية، ليصبحوا خارج معادلة التنافس الاقتصادي بشكل كامل.

الأخطر من ذلك هو البعد الإنساني والاجتماعي للأزمة. فقد أصبح كثير من أصحاب المعاشات يعتمدون على أبنائهم، في وقت يعاني فيه الأبناء أنفسهم من أعباء الحياة. وهناك من لا يجد من يعوله من الأساس، فيواجه مصيره وحيدًا، بين احتياجات لا تنتهي وإمكانيات لا تكفي. بل إن بعضهم لا يملك مسكنًا آمنًا، بينما تحولت دور رعاية المسنين إلى خيار مكلف لا يتناسب مع دخولهم المحدودة.

إن ما نراه اليوم ليس مجرد أزمة معيشية، بل هو اختبار حقيقي لمدى التزام المجتمع والدولة تجاه من أفنوا أعمارهم في خدمته. فهؤلاء لا يطلبون رفاهية، بل الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

من هنا، يصبح من الضروري إعادة النظر في قيمة المعاشات بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي، وتوفير منظومة دعم صحي حقيقية، إلى جانب برامج حماية اجتماعية مخصصة لكبار السن، تضمن لهم حياة آمنة ومستقرة.

كما أن للمجتمع دورًا لا يقل أهمية، من خلال مبادرات حقيقية تتجاوز الشعارات، وتقدم دعمًا فعليًا ومستدامًا لهذه الفئة.

في النهاية، يبقى السؤال الأهم: كيف نقبل أن يتحول من كانوا سندًا للمجتمع إلى فئة تبحث عن من يسندها؟

إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد إن كنا نسير نحو التقدم… أم نترك إنسانيتنا خلفنا.

#حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة