تحتل مسألة “المشاريع القومية الكبرى” صدارة النقاشات السياسية والاقتصادية في الدول النامية والساعية نحو التطور. وغالباً ما ينصرف الذهن الجمعي والخطاب الرسمي عند سماع هذا المصطلح إلى المشروعات المادية الملموسة؛ من شبكات طرق عملاقة، ومدن جديدة، ومحطات طاقة، وموانئ حديثة. ورغم الأهمية الاستراتيجية القصوى لهذه البنية التحتية الصلبة كإسعاف سريع للاقتصاد، إلا أن هذا المفهوم يظل قاصراً ومبتوراً ما لم يلتفت إلى الجانب الأعمق والأبقى في عملية النهوض الوطني: وهو “المشروع الفكري وبناء الإنسان”.

إن فكرة التنمية في جوهرها الفلسفي والاجتماعي تقوم على ركيزتين متلازمتين؛ الحجر والبشر. غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في تغليب أحدهما على الآخر، أو إغفال حقيقة أن “الإنسان” هو هدف التنمية ووسيلتها الأساسية في آن واحد. فما قيمة المدن الذكية الشاهقة إذا أديرت بعقول لم تنل حظاً من التعليم الحديث والوعي النقدي؟ وما جدوى المصانع المتطورة إذا كانت تفتقر إلى رأس المال البشري المؤهل لإدارتها وتطويرها؟ إن تجارب الدول التي حققت طفرات تنموية حقيقية في العصر الحديث، كاليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية، لم تبدأ بامتلاك موارد طبيعية ضخمة، بل بدأت بتبني مشروع قومي محوره “التعليم وبناء الوعي وتطوير البحث العلمي”، فكان الاستثمار في عقول مواطنيها هو القوة المحركة التي صنعت معجزاتها الاقتصادية والمادية لاحقاً.

وهنا يثور تساؤل جوهري: إذا كان بناء الإنسان هو المشروع القومي الأحق والأولى بالرعاية، فلماذا تميل النظم السياسية والإدارية نحو المشروعات المادية؟ يعود السبب في ذلك إلى طبيعة العائد الزمني؛ فالمشاريع المادية تتميز بعائد سريع وملموس، يسهل قياسه وحصده وتقديمه للرأي العام كإنجازات سريعة خلال سنوات قليلة. في المقابل، تُعد المشاريع الفكرية والتعليمية بمثابة استثمار “بطيء العائد”؛ إذ إن ثمار إصلاح منظومة التعليم وتشكيل وعي جيل جديد لا تظهر على أرض الواقع إلا بعد عقدين من الزمن على الأقل، عندما يتسلم هذا الجيل الجديد مقاليد الإنتاج والقيادة.

هذه الطبيعة الخاصة بالمشاريع الفكرية تفرض بالضرورة نمطاً خاصاً من القيادة والإدارة. فبناء العقول وتطوير التعليم لا يمكن أن ينضج في بيئات إدارية جامدة تعتمد على نظام الأوامر الفوقية الصارمة والامتثال الأعمى دون نقاش. إن المشهد الفكري يتطلب قيادة سياسية وإدارية مرنة، تملك القدرة على إدراك التعقيدات والاحتياجات، وتمتلك شجاعة الاعتراف بالأخطاء المرتكبة ومراجعة المسارات. فالتعليم والثقافة يقومان على التفاعل والنقد والتجريب، وعندما يُدار هذا الملف بعقلية “تنفيذ التعليمات” غائبة الحوار، ينتهي الأمر بالمسؤولين التنفيذيين إلى الانكفاء، والاهتمام بتجميل المؤشرات الرقمية الظاهرية (كعدد المدارس المبنية أو الأجهزة الموزعة) مع إهمال العمق المعرفي والشخصي للإنسان، خوفاً من تبعات المحاسبة أو المبادرة.

وإذا ما أسقطنا هذه المعضلة على الحالة المصرية كنموذج للدراسة، نجد أن الأزمة الحقيقية لا تنبع أبداً من غياب الكوادر المؤهلة أو ندرة العقول والمفكرين؛ فمصر ولّادة بكفاءاتها المشهود لها محلياً ودولياً. إنما تكمن العلة الأساسية في إرث البيروقراطية المركزية الصارمة المتجذرة في جهازها الإداري منذ قرون. هذه الثقافة الإدارية العتيقة تفضل غالباً الكادر “الأكثر طاعة وتنفيذاً” على حساب الكادر “الأكثر إبداعاً وميلاً للنقاش والتغيير”، مما يخلق بيئة عمل طاردة للمبدعين، ويدفع الكفاءات إما إلى الانزواء أو الهجرة. إن الموظف في هذا النظام يخشى الاجتهاد، ويفضل دائماً إحالة القرارات إلى مستويات أعلى لإخلاء مسؤوليته، مما يقتل المرونة ويجهض أي محاولة حقيقية للإصلاح الفكري.

في ختام حديثي هذا ، يمكنني القول إن نجاح أي مشروع قومي في صياغة مستقبل الأوطان يظل رهيناً بالقدرة على كسر جمود الآلة البيروقراطية المركزية. إن إحداث نهضة فكرية وتعليمية شاملة في مصر أو في أي دولة تشبهها، لا يتطلب فقط رصد الميزانيات أو وضع الخطط الطموحة، بل يتطلب أولاً وقبل كل شيء “تطوير عقلية الجهاز الإداري” نفسه، والانتقال من عقلية الإدارة بالأوامر إلى عقلية الإدارة بالشراكة والنقاش المفتوح. إن الدول الذكية هي تلك التي توازن بحكمة بين تشييد الحجر وتنوير البشر، مدركةً أن الحجر يبنيه البشر، بينما البشر هم من يضمنون بقاءه وعمرانه. #حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل