الرئيسيةمقالات العدلأحمد القناويم. أحمد القناوي يكتب: إلى متى تظل المجتمعات العمرانية الجديدة جديدة ؟!

م. أحمد القناوي يكتب: إلى متى تظل المجتمعات العمرانية الجديدة جديدة ؟!

ولماذا أصبح من الضروري دمج هذه المجتمعات في الهيكل الإداري للمحليات في مصر؟

منذ سبعينيات القرن الماضي، اتجهت الدولة المصرية إلى إنشاء ما عُرف بالمجتمعات العمرانية الجديدة باعتبارها حلًا استراتيجيًا لمشكلات التكدس السكاني، وأداة لإعادة توزيع السكان خارج الوادي والدلتا، فضلًا عن كونها وسيلة لجذب الاستثمارات وتنشيط الاقتصاد العمراني. في ذلك التوقيت، كان إخضاع هذه المجتمعات لإدارة مركزية من خلال هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة أمرًا مفهومًا، بحكم كونها مشروعات ناشئة قيد التأسيس، تحتاج إلى سرعة قرار ومرونة تنفيذية. غير أن هذا المنطق، الذي كان مبررًا في لحظته التاريخية، لم يعد صالحًا بعد مرور أكثر من أربعة عقود على إنشاء أولى هذه المجتمعات.

فالمجتمعات العمرانية الجديدة اليوم، مثل السادس من أكتوبر، والعاشر من رمضان، والسادات، وبدر، والشروق، والقاهرة الجديدة، لم تعد تجمعات عمرانية تجريبية أو امتدادات محدودة، بل تحولت إلى مدن مكتملة الأركان، تضم ملايين السكان، وبنية تحتية مستقرة، وجامعات، ومناطق صناعية وتجارية، وخدمات صحية وتعليمية، وأحياء سكنية دائمة. وتشير التقديرات إلى أن عدد المواطنين المقيمين في هذه المجتمعات يتراوح بين 12 و15 مليون مواطن، أي ما يقارب 15% من إجمالي سكان مصر، وهي كتلة سكانية لا يمكن التعامل معها باعتبارها استثناءً إداريًا أو وضعًا مؤقتًا.

ورغم ذلك، فإن هذه الكتلة السكانية الضخمة تظل خارج منظومة المحليات التي تُدار عبر المجالس المحلية المنتخبة، في الوقت الذي تتزايد فيه المطالبات بإجراء انتخابات محلية، وفقا للاستحقاقات الدستورية، لتشمل التنافس على 58 إلى 62 ألف مقعد في المجالس الشعبية المحلية، وهي مجالس يُفترض أن تمارس دورًا رقابيًا على الأجهزة التنفيذية، وتشارك في إدارة الخدمات، وتمثل حلقة الوصل الأساسية بين المواطن والدولة على المستوى المحلي. لكن هذه المنظومة لا تمتد إلى المجتمعات العمرانية الجديدة، التي لا تتبع المحافظات ولا الأحياء ولا المراكز، وإنما تخضع إداريًا لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة برئاسة وزير الإسكان، عبر أجهزة تنفيذية مركزية.

ومن الناحية القانونية، يقوم نظام الإدارة المحلية في مصر على مبدأ اللامركزية، وعلى إشراك المواطنين في إدارة شؤونهم المحلية عبر المجالس المحلية المنتخبة، بما يحقق الرقابة على الأجهزة التنفيذية ويضمن المساءلة على مستوى الخدمات اليومية. وبالتالي فإن استمرار إخراج المجتمعات العمرانية الجديدة من هذا الإطار يخلق وضعًا استثنائيًا دائمًا لا يتفق مع الفلسفة العامة للتنظيم الإداري للدولة، ولا مع مبدأ المساواة بين المواطنين في الحق في التمثيل المحلي. فالأصل القانوني أن يخضع أي تجمع سكني مستقر ودائم لمنظومة المحليات، وأن يكون الاستثناء مؤقتًا ومرتبطًا بمرحلة التأسيس فقط، لا أن يتحول إلى بنية إدارية موازية خارج نطاق المجالس المحلية المنتخبة.

وفي محاولة لملء هذا الفراغ، جرى الاعتماد على ما يُعرف بمجالس الأمناء في المجتمعات العمرانية الجديدة، وهي مجالس يتم تشكيلها بالتعيين، وتضم ممثلين عن السكان والمستثمرين، دون انتخاب مباشر، ودون أن تكون لها صلاحيات رقابية حقيقية أو أدوات مساءلة فعلية. ورغم ما قد تلعبه هذه المجالس من أدوار تنسيقية أو استشارية، فإنها لا يمكن اعتبارها بديلًا عن المجالس المحلية المنتخبة، لأنها لا تخضع للمحاسبة الشعبية، ولا تعمل ضمن الهيكل الإداري للمحليات، ولا تمثل بالضرورة مختلف الفئات الاجتماعية داخل كل مجتمع عمراني.

النتيجة هي واقع إداري منقسم داخل الدولة الواحدة؛ مواطن يسكن في مدينة أو قرية خاضعة للمحليات ويتمتع – نظريًا – بوجود مجلس محلي منتخب يراقب أداء الجهاز التنفيذي، ومواطن آخر يسكن في مجتمع عمراني جديد يخضع لجهاز إداري مركزي ومجلس أمناء مُعيَّن، رغم أن الاثنين يتمتعان بالحقوق والواجبات ذاتها ويدفعان الضرائب والرسوم نفسها. هذا الانقسام لا يستند إلى منطق دستوري أو سياسي سليم، خصوصًا أن بعض هذه المجتمعات تجاوز عمرها الأربعين عامًا، أي أنها أقدم من كثير من المدن والقرى التي تخضع اليوم للإدارة المحلية التقليدية دون أي استثناء.

في النهاية، لم يعد الجدل حول وضع المجتمعات العمرانية الجديدة مجرد نقاش إداري أو تنظيمي، بل أصبح سؤالًا مشروعًا حول شكل الدولة وطبيعة إدارتها المحلية. فحين تتحول هذه المجتمعات إلى مدن مستقرة يعيش فيها ملايين المواطنين، يصبح من الضروري إعادة النظر في موقعها داخل الهيكل الإداري للمحليات، وفي مدى اتساق هذا الوضع مع مبادئ المشاركة والرقابة والمساءلة. قد تختلف الرؤى حول الدمج أو آلياته، لكن المؤكد أن استمرار الاستثناء بصورته الحالية لم يعد قابلًا للتبرير، وأن فتح هذا الملف بات خطوة لازمة ضمن أي نقاش جاد حول تطوير الإدارة المحلية في مصر.

أ #حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة