لم تعد أزمة العلاقات في مصر مجرد حالات فردية يمكن التعامل معها باعتبارها استثناءات، بل تحولت إلى ظاهرة ممتدة تعكس خللًا أعمق في بنية المجتمع نفسه. ما نشهده اليوم ليس فقط فشل بعض العلاقات، وإنما اضطراب في المفاهيم التي تقوم عليها هذه العلاقات من الأساس.
فكرة “الارتباط” لم تعد تُبنى كما كانت، على التفاهم والتكافؤ والقيم المشتركة، بل أصبحت في كثير من الأحيان قائمة على معايير سطحية؛ الشكل، والوضع المادي، ورأي المجتمع. ومع تراجع هذه الأسس الحقيقية، يصبح من الطبيعي أن تنهار العلاقة عند أول اختبار جاد.
الأزمة لا تتوقف عند حدود الطرفين فقط، بل تمتد إلى الدائرة الأوسع، حيث يلعب الأهل دورًا محوريًا في توجيه مسار العلاقة. لكن في كثير من الحالات، لم يعد هذا الدور قائمًا على الحكمة أو التوازن، بل تحول إلى تدخل مباشر قد يزيد الأمور تعقيدًا.
بدلًا من أن يكون الأهل عامل احتواء وتهدئة، نجدهم أحيانًا طرفًا في الصراع، يتعاملون مع الخلافات وكأنها معارك يجب كسبها، لا مشكلات تحتاج إلى حل.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية في التفاقم. خلاف بسيط بين زوجين قد يتحول إلى صراع عائلي واسع، يتسع ليشمل أطرافًا متعددة، كل منها يسعى لإثبات صحة موقفه والانتصار لرأيه. في هذا السياق، يغيب الهدف الأساسي من أي علاقة، وهو الاستمرار في بيئة مستقرة، ويحل محله منطق “الغلبة” و”كسب الجولة”.
ومع تصاعد هذا النمط، لا يكون الانفصال نهاية الأزمة، بل بداية شكل آخر من الصراع.
حيث يتحول الطفل – في كثير من الأحيان – إلى أداة ضغط بين الطرفين، وليس محل رعاية واهتمام كما يجب.
يدخل الأب أو الأم في معركة “استحواذ”، لا بدافع الحب، بل بدافع إثبات السيطرة أو إلحاق الهزيمة بالطرف الآخر.
في خضم هذا الصراع، يتم تجاهل حقيقة بسيطة لكنها بالغة الأهمية:
أن الطفل ليس طرفًا في هذه المعركة.
وأن ما يتعرض له من شد وجذب، وصراعات مستمرة، يترك أثرًا عميقًا في تكوينه النفسي، وفي نظرته للعلاقات مستقبلًا.
بهذا الشكل، نحن لا ننتج فقط علاقات فاشلة، بل نُعيد إنتاج الأزمة عبر أجيال جديدة تنشأ وهي تفتقد إلى أبسط مفاهيم العلاقة الصحية. جيل لم يتعلم كيف يدير الخلاف، ولم يرَ نموذجًا حقيقيًا للتفاهم، بل نشأ في بيئة تربط بين الحب والصراع، وبين القرب والألم.
ومن هنا، يصبح من الواضح أن المشكلة لا يمكن اختزالها في القوانين وحدها.
صحيح أن التشريعات المنظمة للعلاقات الأسرية لها دور مهم، لكن أي قانون لن ينجح في إصلاح واقع يفتقد إلى الوعي المجتمعي والثقافة الأساسية للعلاقات.
السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا بصدق هو:
هل نحن نُعِد أبناءنا للحياة المشتركة فعلًا؟
أم أننا ندفعهم إليها دون أدوات حقيقية للفهم أو التعامل؟
وهل دور الأهل هو الانتصار في نزاع عابر؟
أم الحفاظ على كيان أسري قد يكون من الممكن إنقاذه، أو على الأقل إنهاؤه بشكل لا يُدمّر أطرافه؟
إصلاح المجتمع لا يبدأ فقط من المؤسسات، ولا يقتصر على النصوص القانونية، بل يبدأ من داخل البيوت، من طريقة التفكير، ومن الاستعداد للاعتراف بوجود خلل حقيقي يحتاج إلى مراجعة.
لأن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن أي مجتمع، مهما بدا متماسكًا من الخارج، لا يمكن أن يكون سليمًا في ظل علاقات أسرية مشوهة من الداخل.
#حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل



