الرئيسيةمقالات العدلأحمد عزالدين الحناوي يكتب: أخطر مما نتصوّر… النرجسية حين تتحوّل من سلوك...

أحمد عزالدين الحناوي يكتب: أخطر مما نتصوّر… النرجسية حين تتحوّل من سلوك فردي إلى خطر عام

في السنوات الأخيرة، لم يعد مشهد الشخص الذي يحتكر الحقيقة، ويرفض أي رأي مخالف، مشهدًا استثنائيًا أو عابرًا، بل بات ظاهرة متكررة في مواقع العمل، ودوائر السياسة، والمؤسسات، بل وحتى داخل الأسرة الواحدة. ظاهرة تُبرَّر أحيانًا تحت مسمّى “الثقة بالنفس”، لكنها في جوهرها أقرب إلى “النرجسية المرضية”، بما تحمله من تهديد صريح لفكرة الحوار، وأي إمكانية للتعايش الإنساني السليم.

فالنرجسية، وفق التعريف النفسي، ليست مجرد حب للذات، بل نمط سلوكي يقوم على الإعجاب المفرط بالنفس، والشعور الدائم بالتفوّق، مع عجز واضح عن التعاطف، وحساسية حادة تجاه النقد، مهما كان موضوعيًا أو بنّاءً. الأخطر من ذلك أن صاحب هذه الشخصية لا يرى في اختلاف الرأي مساحة للنقاش، بل يعتبره تهديدًا مباشرًا لصورته عن نفسه.

‎وتتجسّد هذه النرجسية في شخصية ترى ذاتها المرجع النهائي لكل شيء؛ تتحدث في السياسة وكأنها تمتلك الحقيقة المطلقة، وتناقش الاقتصاد بلا شك أو تردّد، وتخوض في القضايا الدينية بثقة من لا يخطئ، وكأن امتلاك الرأي يعني امتلاك الصواب بالضرورة. هذه القناعة لا تنشأ فجأة، بل تتكوّن تدريجيًا، حين يُحاط الشخص بإعجاب متواصل وتصفيق دائم، فيتحول التقدير إلى تقديس، والثقة إلى غرور، ثم إلى رفض كامل لأي صوت آخر.

ولا يمكن الحديث عن النرجسية دون التوقف أمام الدور الخطير الذي يلعبه ما يمكن تسميتهم بـ “صنّاع الوهم” أو “المصفقين الدائمين” أو “هزّازي الرؤوس”. هؤلاء الذين يحيطون بالشخص النرجسي، ويؤكدون صحة كل ما يقول ويفعل، بدافع الخوف أو المصلحة أو النفاق، فيصنعون له فقاعة زائفة من الكمال، تمنعه من رؤية أخطائه، وتدفعه أكثر نحو الاستبداد بالرأي. والمفارقة أن هذه الفئة، التي تدّعي الدعم، تُعد في الواقع أحد الأسباب الرئيسية في تفاقم الاضطراب.

وقد جسّدت الدراما هذه الفكرة بوضوح في أكثر من عمل، لعل أبرزها مسلسل «الاختيار» في نماذج بعض القيادات التي رفضت أي صوت معارض، فكانت النتيجة قرارات كارثية مبنية على وهم العصمة. كما قدّم مسلسل «الأسطورة» نموذجًا لشخصية ترى نفسها فوق المحاسبة، مدفوعة بدائرة من المصفقين، انتهت إلى عزلة وصدام مع الجميع. وعلى المستوى العالمي، نجد مثالًا واضحًا في مسلسل «Succession»، حيث أدت النرجسية واحتكار القرار داخل العائلة إلى تفكك العلاقات، وانهيار الثقة، رغم النفوذ والقوة.

وعلى الصعيد السياسي في العديد من الدول التي تدّعي الديمقراطية، تقدم التجارب المعاصرة شواهد عديدة على خطورة النرجسية حين تتسلل إلى مواقع القرار. ففي بعض الأنظمة، تحوّل القائد إلى مصدر الحقيقة الوحيد، وأُقصي الخبراء، وحُوصرت الأصوات الناقدة، واستُبدل التقييم الموضوعي بدائرة مغلقة من الموالين. وكانت النتيجة قرارات مصيرية اتُّخذت بدافع العناد لا الحكمة، فتكبّدت المجتمعات أثمانًا باهظة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.

كما تُظهر بعض التجارب البرلمانية أن النرجسية لا تقتصر على رأس السلطة، بل قد تظهر في الخطاب العام ذاته، حين يرفض مسؤول أو تيار سياسي أي معارضة بوصفها خيانة أو جهلًا، لا باعتبارها جزءًا طبيعيًا من العمل الديمقراطي. وفي هذه الأجواء، يتحول الخلاف السياسي إلى صراع شخصي، وتُستبدل لغة الحجة بلغة التخوين، وهو ما يعمّق الاستقطاب ويقوّض الثقة في المجال العام.

وتبرز النرجسية السياسية بوضوح حتى في بعض الدول التي ترفع شعار الديمقراطية وتتباهى بمؤسساتها العريقة. ففي تجارب معاصرة داخل دول كبرى مثل الولايات المتحدة، شهد العالم كيف يمكن لزعيم أو تيار سياسي أن يتعامل مع الرأي المخالف باعتباره تهديدًا شخصيًا لا اختلافًا مشروعًا، وأن تُتخذ قرارات مصيرية انطلاقًا من قناعات فردية متضخمة، لا من توافق مؤسسي أو تقييم علمي. وقد كشفت بعض الأزمات – الصحية والاقتصادية والسياسية – أن احتكار القرار، والاستخفاف بالخبراء، والطعن الدائم في أي نقد إعلامي أو شعبي، كلها سمات نرجسية يمكن أن تقوّض حتى أعرق النماذج الديمقراطية حين تغيب ثقافة المراجعة والمساءلة. ويكشف هذا النموذج بوضوح كيف يمكن للنرجسية السياسية، حين تقترن باحتكار السلطة، أن تتحول من خلل نفسي إلى أزمة وطنية شاملة.

وعلى النقيض تمامًا، يقدّم التاريخ نماذج مضيئة تؤكد أن الاعتراف بالخطأ لا ينتقص من المكانة، بل يعزّزها. فالصحابة رضوان الله عليهم، رغم عظيم قدرهم، لم يدّعوا امتلاك الحقيقة المطلقة، بل رسّخوا مبدأ أن العصمة للأنبياء وحدهم. وهو ما عبّر عنه الإمام مالك بقوله:�«كلٌ يؤخذ من قوله ويُردّ إلا صاحب هذا القبر».

‎ويظل موقف الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مثالًا خالدًا في مواجهة النرجسية؛ حين راجعته امرأة في رأي علني، لم يغضب ولم يقمع، بل اعترف بخطئه قائلًا:�«أصابت امرأة وأخطأ عمر».�وهو المعنى ذاته الذي لخّصه الإمام الشافعي في قاعدة عقلية تُعد نقيضًا مباشرًا للنرجسية:�«رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب».

‎إن خطورة النرجسية لا تكمن فقط في إفساد العلاقات الإنسانية، بل في قدرتها على تعطيل المؤسسات، ونسف ثقافة النقد، وتحويل المجتمعات إلى كيانات هشّة يحكمها الصوت الواحد. فحين يغيب الاعتراف بالخطأ، يتوقف التصحيح، وحين يُجرَّم الاختلاف، يبدأ الانهيار.

‎وفي ظل عالم يعاني أصلًا من أزمات متلاحقة، تبدو مواجهة النرجسية ضرورة أخلاقية ومجتمعية، لا مهمة نفسية فردية فحسب. فالمجتمعات لا تنهض بالعباقرة المعصومين، بل بالعقول القادرة على المراجعة، والقيادات التي تفهم أن القوة الحقيقية لا تكمن في احتكار الحقيقة، بل في القدرة على الإصغاء. #حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة