أحلم برئيس حكومة لا يضع “الحماية الاجتماعية” في صدر خطابه، ولا يجعل “الدعم والمنح” عنوانًا دائمًا لعلاقته بالمواطن. أحلم بحكومة هدفها الأول والأوضح: رفع متوسط دخل المواطن المصري، باعتباره المعيار الحقيقي للعدالة، والاستقرار، والكرامة الإنسانية.
حكومة لا تُجيد إدارة الفقر، بل تُجيد إنهاء أسبابه.
أولًا: هدف واحد حاكم لكل السياسات
الخطأ الأكبر في إدارة الاقتصاد المصري لعقود، لم يكن نقص البرامج، بل غياب الهدف المركزي. تتعدد المبادرات، وتتوزع الجهود، لكن دون بوصلة واحدة تحكم الجميع.
الحكومة التي أحلم بها تبدأ من سؤال بسيط وحاسم:
> كيف نرفع متوسط دخل المواطن خلال عام، أو عامين، أو خمس سنوات؟
ويتحول هذا السؤال إلى هدف رسمي مُعلن، تُقاس عليه كل السياسات، من التعليم إلى الصناعة، ومن الضرائب إلى الاستثمار، ومن الإدارة المحلية إلى العلاقات الخارجية.
ثانيًا: تشريح حقيقي للمجتمع المصري
لا يمكن رفع الدخل دون معرفة دقيقة بمن نرفع دخله، وأين، وكيف.
نحتاج إلى خريطة دخل تفصيلية:
متوسط الدخل في كل محافظة
الفجوة بين الريف والحضر
الفروق داخل المحافظة الواحدة
مصادر الدخل الأساسية (زراعة – صناعة – خدمات – اقتصاد غير رسمي)
التجارب الدولية الناجحة، من الصين إلى فيتنام إلى البرازيل، بدأت جميعها بما يمكن تسميته التشخيص قبل العلاج.
لا حلول عامة لمجتمع غير متجانس، ولا سياسات موحدة لواقع متنوع.
ثالثًا: رفع الدخل لا توزيعه
الحكومة التي أحلم بها لا تتحدث عن منح، ولا عن إعانات، ولا عن مسكنات مؤقتة.
تتحدث عن دخل يُكتسب لا يُمنح.
إن رفع الدخل يتم عبر:
زيادة الإنتاجية
خلق وظائف حقيقية ذات قيمة مضافة
إدماج الاقتصاد غير الرسمي دون سحقه
تحويل العامل من “ناجٍ” إلى “منتج”
في كوريا الجنوبية، لم يُرفع دخل المواطن بالدعم، بل برفع مهارته وربطه بسوق عالمي.
في الصين، لم تُحارب الفقر بالإعانات، بل بنقل ملايين الناس من اقتصاد الكفاف إلى اقتصاد السوق.
رابعًا: حكومة بمدة ونتائج
أحلم بحكومة تعمل بسقف زمني، ولا تختبئ خلف أعذار طويلة الأجل.
حكومة تُعلن:
هدف رفع الدخل خلال مدة محددة
مؤشرات قياس واضحة
مراجعة سنوية علنية
محاسبة سياسية قبل أن تكون إدارية
في دول نجحت في تقليص الفقر، كان السؤال دائمًا:
> ماذا أنجزنا هذا العام في دخل المواطن؟
لا نقول : كم صرفنا؟
ولا نقول : كم وزعنا؟
بل: كم كسب المواطن بعمله؟
خامسًا: الابتكار بدل الشعارات
رفع الدخل في القرن الحادي والعشرين لا يأتي فقط من المصانع التقليدية، بل من:
الاقتصاد الرقمي
سلاسل القيمة المحلية
الصناعات الصغيرة المرتبطة بالكبيرة
تمكين المحافظات اقتصاديًا لا إداريًا فقط
التجربة الهندية في الخدمات الرقمية، وتجربة رواندا في تمكين الريف، وتجربة إيرلندا في جذب الصناعات عالية القيمة، كلها تؤكد أن السياسة الذكية تسبق المال.
وختاماً إن كرامة المواطن تبدأ من دخله
الدخل ليس رقمًا اقتصاديًا فقط، بل شعور بالقدرة، والاستقلال، والمستقبل.
المواطن الذي يعمل ويكسب ويخطط، لا يحتاج لمن يربت على كتفه، بل لمن يفتح أمامه الطريق.
هذا هو حلمي من الحكومة القادمة :
حكومة تعرف أن أعظم برنامج حماية اجتماعية…
هو وظيفة محترمة ودخل عادل ومستدام.




