في أوقات الاستقرار، تبدو عقود النفط والغاز الدولية شديدة الصلابة، حيث تُحدد بدقة كميات التوريد ومواعيد التسليم والأسعار وشروط النقل. غير أن الأزمات الكبرى كثيراً ما تكشف هشاشة هذه المنظومة أمام الأحداث الجيوسياسية. ومن هنا يبرز مفهوم “القوة القاهرة”، وهو بند قانوني في العقود الدولية يسمح للطرف المتضرر بتعليق أو تأجيل تنفيذ التزاماته إذا طرأت ظروف استثنائية خارجة عن إرادته، مثل الحروب أو الكوارث أو إغلاق الممرات الحيوية للتجارة.
وفي قطاع الطاقة تحديداً، يتيح هذا البند لمنتجي النفط والغاز إعلان تعذر تسليم الشحنات دون أن يتحملوا غرامات أو تعويضات للمشترين.
اليوم يعود هذا المفهوم إلى واجهة النقاش الاقتصادي العالمي مع تصاعد التوتر العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، وهي مواجهة تحمل في طياتها مخاطر مباشرة على أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وهو مضيق هرمز. وتشير تقديرات مؤسسات الطاقة الدولية إلى أن ما يقارب 20 مليون برميل نفط يومياً يمر عبر هذا المضيق، أي نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط، إضافة إلى ما يقارب 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً. وبالتالي فإن أي اضطراب عسكري أو أمني في هذه المنطقة قد يدفع الشركات أو الدول المنتجة إلى إعلان القوة القاهرة نتيجة تعطل النقل أو ارتفاع المخاطر الأمنية.
إن تفعيل هذا البند في سوق الطاقة لا يُعد مجرد إجراء قانوني، بل يمثل إشارة مباشرة إلى اختلال ميزان العرض والطلب في الأسواق العالمية. فإجمالي الإنتاج العالمي من النفط يقترب حالياً من 107 ملايين برميل يومياً، بينما قد تؤدي الحرب أو تعطّل الملاحة إلى فقدان ما بين 2 إلى 6 ملايين برميل يومياً من الإمدادات في السيناريوهات المتشائمة. وقد انعكس ذلك بالفعل على الأسواق مع ارتفاع أسعار النفط لتقترب من 90 دولاراً للبرميل، وسط توقعات لدى بعض بيوت الخبرة بإمكانية تجاوز 100 دولار إذا استمر التصعيد أو توسع نطاقه.
وتكمن خطورة هذه التطورات في أن أسواق الطاقة أصبحت أكثر حساسية للصدمات الجيوسياسية منذ الحرب في روسيا وأوكرانيا، التي أدت إلى إعادة ترتيب خطوط إمداد الغاز والنفط عالمياً. ولذلك فإن اندلاع أزمة جديدة في الخليج قد يدفع الشركات إلى إعلان القوة القاهرة على نطاق أوسع، ما يعني عملياً توقف أو تأجيل تنفيذ العديد من عقود التوريد، وبالتالي زيادة الاضطراب في الأسواق وارتفاع الأسعار.
أما بالنسبة لمصر، فإن تداعيات هذه الأزمة تحمل أبعاداً مركبة. فمصر ليست دولة مصدرة كبرى للنفط، لكنها في الوقت ذاته تمثل مركزاً مهماً لتجارة الطاقة في شرق المتوسط، خصوصاً مع امتلاكها بنية تحتية متقدمة لتسييل الغاز الطبيعي. كما أن موقعها الاستراتيجي المرتبط بالممرات البحرية العالمية يمنحها دوراً مهماً في حركة التجارة والطاقة.
غير أن الاقتصاد المصري قد يتأثر بعدة مسارات إذا ارتفعت أسعار النفط بشكل كبير. أول هذه المسارات يتعلق بفاتورة الواردات البترولية، إذ تعتمد مصر جزئياً على استيراد النفط والغاز لتلبية احتياجات السوق المحلية، وهو ما يعني أن ارتفاع الأسعار العالمية سيزيد الضغط على العملة الأجنبية وعلى الموازنة العامة للدولة. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر برميل النفط قد ترفع فاتورة الاستيراد المصرية بمئات الملايين من الدولارات سنوياً.
المسار الثاني يتعلق بمعدلات التضخم، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، وهو ما ينعكس على أسعار السلع والخدمات. وقد شهدت مصر بالفعل موجات تضخمية خلال السنوات الماضية نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، وهو ما يجعل أي صدمة جديدة في أسواق النفط عاملاً ضاغطاً على الاقتصاد المحلي.
أما المسار الثالث فيرتبط بحركة التجارة العالمية عبر قناة السويس، التي تمثل أحد أهم مصادر العملة الصعبة للاقتصاد المصري. ففي حال تصاعد الصراع في الخليج أو تعطل الملاحة في بعض الممرات البحرية، قد تتغير مسارات الشحن العالمية أو ترتفع تكاليف التأمين البحري، وهو ما قد يؤثر على حركة التجارة الدولية بشكل عام. ومع ذلك، فإن الأزمات الجيوسياسية قد تدفع في بعض الحالات إلى زيادة الاعتماد على قناة السويس كمسار أكثر أمناً مقارنة بمناطق النزاع المباشر.
ورغم هذه التحديات، تمتلك مصر بعض عناصر المرونة في مواجهة الصدمات الخارجية. فوجود احتياطات استراتيجية من الطاقة، وتطور قطاع الغاز الطبيعي، إضافة إلى تنوع مصادر الدخل من السياحة والتحويلات وقناة السويس، كلها عوامل تساعد على تخفيف أثر الأزمات الدولية. كما أن استمرار خطط التحول نحو الطاقة المتجددة قد يقلل تدريجياً من الاعتماد على النفط المستورد.
في المحصلة، يكشف الحديث المتزايد عن إعلان القوة القاهرة في أسواق النفط والغاز عن حجم القلق الذي يسيطر على النظام الاقتصادي العالمي في ظل تصاعد التوترات العسكرية. فكلما اتسع نطاق استخدام هذا البند في عقود الطاقة، دلّ ذلك على أن العالم يقترب من مرحلة اضطراب اقتصادي أوسع، قد تعيد رسم خريطة الطاقة والتجارة الدولية. وبالنسبة لمصر، فإن إدارة هذه المرحلة تتطلب قدراً كبيراً من الحذر الاقتصادي والمرونة في السياسات، حتى تتمكن من عبور العاصفة بأقل الخسائر الممكنة. #حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل




