في العقود الماضية كان الحصول على وظيفة مستقرة يعني ضمنيًا الدخول إلى منطقة آمنة اجتماعيًا
الراتب الثابت لم يكن مجرد دخل بل شهادة غير مكتوبة بأن الإنسان أصبح داخل المنظومة المحمية يستطيع التخطيط وتكوين أسرة والادخار واحتمال صدمات الحياة بدرجة معقولة
أما اليوم فقد ظهرت طبقة جديدة أكثر تعقيدًا وخطورة
أشخاص يعملون باستمرار يمتلكون وظائف رسمية أحيانًا وساعات عمل طويلة لكنهم يعيشون في حالة فقر مقنع وهشاشة دائمة
إنها طبقة الموظف الفقير أخطر منتجات الاقتصاد الحديث وأكثرها صمتًا
المفارقة أن هذه الفئة لا تبدو فقيرة بالشكل التقليدي
ترتدي ملابس جيدة وتحمل هاتفًا حديثًا وتتحرك يوميًا وسط المدينة وربما تعمل داخل مؤسسات كبرى
لكن خلف هذا المشهد توجد حياة كاملة قائمة على الاستنزاف
راتب يذوب قبل منتصف الشهر وقلق دائم من أي ظرف صحي أو طارئ وديون مؤجلة واستنزاف نفسي يجعل المستقبل يبدو كرفاهية نظرية لا أكثر
الاقتصاد الحديث لم يعد يصنع الاستقرار كما كان يفعل بل يصنع حالة تشغيل مستمرة
وهناك فرق هائل بين أن تعمل لتبني حياة وأن تعمل فقط كي تمنع الانهيار القادم
الطبقة الوسطى التي كانت تاريخيًا صمام أمان المجتمعات بدأت تتآكل بهدوء
ليس عبر الانهيار المفاجئ بل عبر عملية إنهاك طويلة
تضخم متسارع وارتفاع تكلفة السكن وتآكل القوة الشرائية وتحول الاحتياجات الأساسية إلى معارك شهرية مفتوحة
وهنا تظهر واحدة من أخطر التحولات النفسية في المجتمع الحديث
الخوف لم يعد مرتبطًا بالبطالة فقط بل أصبح مرتبطًا بالعمل نفسه
كثيرون اليوم لا يخافون من فقدان الوظيفة بقدر خوفهم من اكتشاف أن الوظيفة ذاتها لم تعد كافية للحياة الكريمة
وهذا يخلق نوعًا جديدًا من القلق الوجودي
أن تبذل كل هذا الجهد ثم تظل واقفًا في مكانك
الأخطر أن هذه الحالة أعادت تشكيل العلاقات الاجتماعية بالكامل
تأخر الزواج لم يعد خيارًا ثقافيًا فقط بل نتيجة مباشرة لاقتصاد يستنزف القدرة على التخطيط
العلاقات الإنسانية نفسها أصبحت أكثر توترًا لأن الإنسان المرهق ماليًا يتحول تدريجيًا إلى عقل دفاعي سريع القلق قليل الصبر ومشغول بالبقاء أكثر من المعنى
سياسيًا تمثل هذه الطبقة معضلة شديدة الحساسية
فهي ليست فقيرة بالدرجة التي تدفعها للانفجار الكامل وليست مستقرة بالدرجة التي تمنحها الولاء والطمأنينة
إنها طبقة معلقة بين الخوف والطموح بين الرغبة في الصعود والرعب من السقوط
ولهذا أصبحت بعض الحكومات والشركات تدير المجتمعات بمنطق الإبقاء على القدرة على الاستمرار لا بمنطق تحقيق الرفاه الحقيقي
يكفي أن يبقى المواطن قادرًا على العمل والسداد والعودة في اليوم التالي حتى لو كان يستنزف نفسيًا ببطء
أما التحول الأخطر فهو سقوط مفهوم الأمان الوظيفي نفسه
في الاقتصاد القديم كانت الوظيفة وعدًا طويل الأجل
أما الآن فالوظيفة قد تتحول في أي لحظة إلى عقد مؤقت مع القلق
إعادة هيكلة أو ذكاء اصطناعي أو تخفيض نفقات أو اقتصاد حر أو حتى مجرد رسالة بريد إلكتروني تنهي سنوات كاملة من الاستقرار
وهكذا وُلدت طبقة تعمل أكثر من أي وقت مضى لكنها تشعر بالأمان أقل من أي وقت مضى
طبقة تبدو داخل النظام لكنها نفسيًا تعيش على حافته
تضحك أحيانًا وتتحرك يوميًا وتواصل العمل لكنها في الداخل تحمل شعورًا خفيًا بأن الحياة تحولت إلى سباق طويل للحفاظ على الحد الأدنى من التوازن
وربما لهذا سيكون السؤال الأخطر في السنوات القادمة ليس كم عدد العاطلين عن العمل
بل كم عدد الذين يعملون بكل طاقتهم ومع ذلك لم يعودوا يشعرون أن المستقبل يمكن الوثوق به. #حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل




