في كل مرة نصطدم فيها بأزمة حادة في الشارع المصري، نكتشف أننا لا نفتقر إلى الحلول، بل نفتقر إلى الإرادة التنفيذية لتطبيقها. يبدو الأمر وكأننا أدمنّا “إعادة اختراع العجلة”، فنترك الحلول العلمية والمجربة عالميًا جانبًا، لنغرق في دوامة من تدوير الأزمات، وكأن الفوضى أصبحت “قدرًا” لا يمكن الفكاك منه.
ولعل “أزمة الركنة” في مدننا الكبرى هي التجسيد الحي لهذا العجز. فلم تعد رحلة البحث عن مكان للسيارة مجرد ضياع للوقت، بل أصبحت “مأساة يومية” وضريبة يدفعها المواطن من أعصابه وكرامته. وهنا يبرز السؤال النقدي بوضوح: أين دور المحليات والجهات الرقابية مما يحدث في قلب الشارع؟
المشهد السريالي للـ “سايس” الذي يفرض سطوته على رصيف ملك للدولة، ليس مجرد تصرف فردي، بل هو نتاج مباشر لـ “غض الطرف” الرسمي. أن يظهر شخص من العدم ليطالبك بـ “إتاوة” مقابل ركن سيارتك في شارع عام، هو إعلان صريح عن غياب هيبة القانون ومساحة شاغرة تركتها الإدارة المحلية ليملأها “البلطجي” أو “المنتفع”. فكيف يُسمح لأفراد، بلا صفة قانونية واضحة، أن يحولوا الشوارع إلى “إقطاعيات خاصة” تُنصب فيها السلاسل والحواجز وكأننا في غابة، لا في دولة قانون؟
إن “تقنين العشوائية” الذي نراه أحيانًا تحت مسميات واهية، ليس حلًا، بل هو هروب إلى الأمام. فالمواطن الذي يواجه التهديد أو المشادات اليومية، لا يحتاج إلى “مسكنات”، بل يحتاج إلى نظام حضاري ينهي عصر “السايس” تمامًا. والحل ليس سرًا حربيًا؛ فأنظمة “عدادات الانتظار” الذكية مطبقة من حولنا في دول لم تخترع العجلة، بل استخدمتها فقط.
لماذا تُصر المحليات على حرمان خزينة الدولة من مليارات ضائعة تذهب إلى جيوب “أباطرة الشوارع”؟ إن نظام العدادات الإلكترونية يضمن الشفافية، ويحقق العدالة، ويوفر دخلًا منظمًا لتطوير الحي، والأهم من ذلك، أنه يحرر المواطن من سطوة “الابتزاز الممنهج”.
القضية اليوم تتجاوز مجرد “ركنة عربية”؛ إنها كشف حساب لعقلية إدارة الموارد العامة. فالتغاضي عن هذه الفوضى هو نوع من “التواطؤ الصامت” الذي يدفع ثمنه المواطن من أمنه النفسي والمادي. نحن لا نحتاج لجانًا للدراسة ولا مؤتمرات للبحث، نحتاج فقط أن تمارس المحليات دورها الحقيقي، وتتوقف عن ترك الشارع ساحة لفرض الأمر الواقع.
لقد توفرت “العجلة” منذ زمن، وما نحتاجه هو جرأة القرار لتركيبها في مكانها الصحيح، لعلنا نخرج من عصر “البلطجة المنظمة” إلى عصر الشارع الحضاري. #حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل



