على مدار سنوات، تشوهت صورة
العمل السياسي في أذهان الكثيرين، واختلطت المفاهيم بين دور “المشرع” ودور “عامل الخدمات”. ومع غياب المجالس المحلية، وجد المواطن نفسه مضطراً للبحث عن “بطل خارق” أو “سوبر مان” يتمثل في عضو مجلس النواب، ليس ليشرع له قوانين تضمن مستقبله، بل ليتوسط له في وظيفة أو ينهي له مصلحة حكومية. إن العودة للمجالس المحلية ليست مجرد استحقاق دستوري، بل هي ضرورة لإنقاذ الحياة السياسية وتصحيح المسار.
تعتبر المجالس المحلية المدرسة الغائبة والعمود الفقري لأي دولة تسعى للتنمية. فعضو المجلس المحلي هو الأقرب لنبض الشارع؛ هو الذي يراقب رصف الطرق، وجودة المستشفيات، ونظافة الأحياء. غياب هذه المجالس جعل “الهرم مقلوباً”، حيث انشغل نائب البرلمان بملاحقة “مواسير الصرف” و”تراكم القمامة”، مما استنزف وقته وجهده بعيداً عن دوره الأساسي في الرقابة على الحكومة والتشريع للدولة ككل.
إن وجود مجلس محلي قوي يعني وجود “فلترة” للمشاكل؛ المواطن يجد حلاً لمشاكله اليومية في حيه وقريته، مما يمنح نائب البرلمان المساحة ليفكر في قضايا الوطن الكبرى.
وللأسف فلقد ترسخ في الوجدان الشعبي نظرة ضيقة لعضو مجلس النواب، حيث يُقاس نجاحه بقدرته على “اختراق القانون” لصالح أبناء دائرته، سواء بالتعيينات أو التوسط في أماكن الثراء والراحة. هذه الثقافة حولت النائب من “صوت للحق” إلى “وسيط للمصالح”، وهو ما يفتح الباب لفساد الذمة المالية وضياع مبدأ تكافؤ الفرص. فعندما تُبنى العلاقة بين الناخب والنائب على “المقايضة الخدمية”، نفقد جوهر الديمقراطية ونحولها إلى سوق للمجاملات.
إن التغيير لا يمكن أن يكون تقنياً فحسب، بل نحن بحاجة إلى “ثورة ثقافية وتعليمية” شاملة تعيد صياغة علاقة المواطن بالدولة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال:
1.زراعة “ثقافة الاستحقاق”: يجب علي المواطن أن يدرك، من خلال المناهج التعليمية والإعلام، أن الوظيفة والخدمة الكريمة هي “حق أصيل” يُنال بالكفاءة والقانون، وليست “منحة” من نائب أو مسؤول.
2.التعريف بالحقوق والواجبات: لن يتوقف الناس عن طرق باب النائب إلا إذا عرفوا أن هناك قنوات شرعية ومجالس محلية قادرة على انتزاع حقوقهم. التوعية بالفرق بين السلطات هي حجر الزاوية في بناء وعي سياسي سليم.
3.الرقمنة كدرع وقائي: التوسع في ميكنة الخدمات والتوظيف الإلكتروني يقطع الطريق على “تأشيرات” النواب، ويجبر الجميع على الاحتكام لمعايير موحدة، مما يقتل أسطورة “الواسطة” تدريجياً.
4.تفعيل المشاركة المجتمعية: تشجيع الشباب والمثقفين على قيادة مبادرات لتعريف الناس بدور المجالس المحلية، وكيف يمكن لهذه المجالس أن تكون أقوى من أي واسطة إذا ما أُحسن اختيار أعضائها.
إن إصلاح المنظومة السياسية يبدأ من “الشارع”. وعودة المجالس المحلية هي الخطوة الأولى لتحرير نائب مجلس النواب من أعباء الخدمات الشخصية، ليعود لمقعده الطبيعي كحارس للقانون ومراقب للدولة. إننا لا نحتاج لنواب يمتلكون “عصا سحرية” للتوظيف، بل نحتاج لمواطنين واعين يعرفون حقوقهم، ومسؤولين يطبقون القانون على الجميع بمسطرة واحدة.
#حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل




