الرئيسيةمقالات العدلأحمد القناويانتخابات النقابات: هل تعكس تصويتاً مهنياً أم رسالة سياسية؟

انتخابات النقابات: هل تعكس تصويتاً مهنياً أم رسالة سياسية؟

أعاد فوز الدكتور محمد عبد الغني في انتخابات نقابة المهندسين طرح سؤالاً متكرراً؛ لماذا يميل المهنيون إلى اختيار مرشح يقدّم نفسه باعتباره مستقلاً، حتى عندما ينافسه مرشح يملك شبكة علاقات أقوى أو دعماً تنظيمياً أكبر؟

يرى كثير من المراقبين أن الانتخابات الأخيرة لنقابة المهندسين لم تكن مجرد منافسة نقابية تقليدية، بل بدت جزءاً من نمط يتكرر في أكثر من مؤسسة مهنية، حيث ينجح المرشح الذي يقدّم نفسه ممثلاً لاستقلال النقابة في حشد أصوات قطاع من الأعضاء، ويزداد هذا القطاع حجماً كلما لاح لهم في الأفق ظل السلطة.

هذه الظاهرة ظهرت بدرجات مختلفة مؤخراً في انتخابات نقابة الصحفيين ونقابة الأطباء، حيث اختارت غالبية الأعضاء مرشحين يرفعون شعار استقلال النقابة في مواجهة مرشحين يُنظر إليهم باعتبارهم أقرب إلى السلطة أو مؤسساتها.

السؤال هنا لا يتعلق بشخص الفائز بقدر ما يتعلق بالنمط الذي يتكرر. فكلما شعر قطاع من الناخبين النقابيين بأن أحد المرشحين مدعوم من الدولة أو من شبكاتها، يتجه جزء منهم إلى الاتجاه المعاكس. وهنا يصبح التصويت في بعض الأحيان تعبيراً عن دفاع رمزي عن استقلال النقابة، قبل أن يكون مجرد اختيار بين برامج مهنية مختلفة.

هذه الظاهرة ليست جديدة في التاريخ السياسي المصري. ففي خلال التسعينات وبداية الألفية لعبت النقابات المهنية دوراً سياسياً واضحاً، وأصبحت واحدة من أهم الساحات التي تظهر فيها المنافسة بين تيارات مختلفة، في ظل ضعف الحياة الحزبية آنذاك. وكانت نتائج الانتخابات النقابية تُقرأ غالباً باعتبارها مؤشراً مبكراً على اتجاهات أوسع داخل الطبقة الوسطى المتعلمة.

بعد ثورة ٢٥ يناير، تغيّر المشهد السياسي بشكل كبير، وتراجع الدور السياسي المباشر للنقابات نسبياً مع إعادة تشكيل المجال العام، وانحسار تيارات سياسية تقليدية، وعادت انتخابات النقابات في كثير من الأحيان لتُقرأ بوصفها مؤسسات مهنية تتركز اهتماماتها على الخدمات والحقوق المهنية، لكن ذلك لم يمنعها من الاحتفاظ بخصوصية مهمة: فهي من المؤسسات القليلة التي ما تزال تجري فيها انتخابات حقيقية تعتمد على التصويت المباشر للأعضاء.

لهذا السبب تبقى الانتخابات النقابية مساحة تظهر فيها حساسيات خاصة لدى المهنيين، خاصة عندما يتعلق الأمر بفكرة الاستقلال. فالنقابات بطبيعتها مؤسسات تمثيلية نشأت للدفاع عن مصالح أعضائها، ولذلك يكون أي تصور لهيمنة سياسية عليها سبباً كافياً لدفع بعض الناخبين إلى الاتجاه المعاكس.

لكن هل يعني ذلك أن التصويت لمرشح مستقل يعكس موقفاً سياسياً ضد الحكومة؟ الإجابة ليست بهذه البساطة؛ فالكثير من الاعتبارات المهنية تلعب دوراً مهماً في هذه الانتخابات: تقييم الأداء النقابي، شبكة العلاقات داخل النقابة، ثقة الأعضاء في قدرة المرشح على إدارة الملفات المهنية، أو حتى رغبة الأعضاء في تجديد النخب النقابية.

ومع ذلك يصعب تجاهل أن الطبقات المهنية المتعلمة – وهي القاعدة الأساسية للنقابات – كانت تاريخياً من أكثر الفئات حساسية تجاه قضايا الاستقلال المؤسسي والتمثيل الحقيقي.

المثير للاهتمام أن نمطاً مشابهاً ظهر أحياناً خارج النقابات، خاصة عند إعادة الانتخابات في كثير من دوائر انتخابات مجلس النواب الحالي، حيث تمكن مرشحون مستقلون في بعض الدوائر من الفوز على مرشحين ينتمون إلى أحزاب الموالاة، بل لوحظ في دوائر عدة فوز مستقلين ينتمون لتيار الموالاة ذاته على حساب منافسيهم الذين حظوا بدعم هذه الأحزاب، وكأن ثقة بعض أحزاب الموالاة ودعمها لمرشحيها قد أدت لأصوات عقابية ضدهم حتى وإن ذهبت هذه الأصوات لمستقلين ينتمون لنفس التيار.

بالطبع لا تفصح النتائج بالضرورة عن وجود موجة سياسية معارضة، لكنها تشير إلى ميل لدى قطاع كبير من الناخبين لمنح أصواتهم لمن يرونه أقل ارتباطاً بالبنية السياسية القائمة أو السائدة.

ربما لا تكفي نتائج عدة انتخابات لاستخلاص دلالات سياسية كبيرة. لكن تكرار الظاهرة في أكثر من نقابة وأكثر من مؤسسة يطرح سؤالاً يستحق التأمل: هل نحن أمام مجرد ديناميكيات مهنية داخل النقابات، أم أن هذه النتائج تعكس مزاجاً أوسع داخل قطاعات من الطبقة الوسطى في مصر؟

فالتاريخ يقول إن النقابات لم تكن يوماً مجرد مؤسسات خدمية، بل كانت دائماً مساحة حساسة تلتقط مبكراً ما قد يظهر لاحقاً في المجال السياسي الأوسع، وهو ما ستفصح عنه السنوات القليلة القادمة بكل تأكيد.

م. أحمد القناوي

#نقابة_المهندسين#نقابات#انتخابات#برلمان#مجلس_النواب

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة