سؤالٌ اعتراضي مشروع، بل وملحّ، في لحظة يُعلن فيها عن مشروع قومي ضخم مثل جامعة الغذاء. فهل نحن أمام تطوير حقيقي لمنظومة التعليم الزراعي؟ أم إعادة ترتيب للأسماء مع بقاء جوهر الأزمة؟
الإعلان عن اجتماع وزيري التعليم العالي والزراعة لمناقشة تفاصيل إنشاء جامعة الغذاء في مصر يأتي في إطار خطاب رسمي واضح: جامعات متخصصة، تعليم بالمشروعات، مهارات رقمية، ثورة صناعية خامسة، رؤية مصر 2030. كلام أنيق، مرتب، ويُشبه كثيرًا ما نسمعه منذ سنوات. لكن السياسة التعليمية لا تُقاس بجمال البيان، بل بقدرته على الإجابة عن سؤال الواقع.
البيان يؤكد أن الجامعة الجديدة ستضم خمس كليات متخصصة:
الزراعة الذكية، الإنتاج الحيواني، إدارة الموارد المائية، تكنولوجيا العمليات الغذائية، والميكنة الزراعية.
نموذج يبدو منطقيًا على الورق، ويخاطب الاحتياجات العاجلة للأمن الغذائي والصناعات المرتبطة به، خاصة مع الشراكة الدولية (جامعة هيروشيما) والدعم البحثي من وزارة الزراعة التي تمتلك 12 ألف باحث.
لكن هنا يتوقف العقل السياسي عن التصفيق، ويبدأ في التساؤل.
ما مصير كليات الزراعة القائمة؟
لدينا عشرات الكليات، وأقسام متخصصة، وأساتذة، وباحثون، وبرامج دراسية عمرها عشرات السنين. هل ستصبح مجرد “روافد”؟ وهل المشكلة كانت فعلًا في غياب جامعة متخصصة، أم في تهميش التخصصات الحديثة داخل الكليات القائمة؟
الأخطر من ذلك:
كيف يمكن الحديث عن مستقبل الزراعة، مع تجاهل تخصصات محورية مثل الزراعة الحيوية، والعضوية، والزراعة المستدامة؟
هذه ليست رفاهية أكاديمية، بل قلب النقاش العالمي حول الغذاء والمناخ والمياه. العالم يتحرك نحو نظم زراعية أقل استنزافًا للموارد، وأكثر احترامًا للبيئة، وأكثر عدالة للمزارع. فهل نواجه تحديات القرن الحادي والعشرين بأدوات القرن العشرين؟
إن اختزال “حل الأزمة” في إنشاء جامعة بخمس كليات فقط قد يبدو عمليًا، لكنه سياسيًا يحمل مخاطرة:
مخاطرة أن نعيد إنتاج نفس الفجوة بين التعليم والواقع، ولكن في مبانٍ أحدث، ولافتة أجمل.
البيان الرسمي تحدث بوضوح عن التكامل، وعن التعليم البيني، وعن إعداد مرشدين زراعيين مؤهلين. وهذا اعتراف ضمني بأن الإشكال ليس في عدد الجامعات، بل في نوعية الخريج، وارتباطه الحقيقي بالمزارع، بالماء، بالأرض، وبسوق العمل.
الجامعة الجديدة قد تكون خطوة للأمام، نعم.
لكنها لن تكون الحل وحدها، ما لم تُفتح مراجعة سياسية جريئة لمستقبل كليات الزراعة كلها:
ماذا نُدرّس؟
ولماذا؟
ولمن؟
وما لم يُعاد الاعتبار للتخصصات التي تُدرَّس عالميًا على أنها “مستقبل الغذاء”، بينما تُعامل محليًا كمواد هامشية.
باختصار:
جامعة الغذاء مشروع مهم، لكن الرهان الحقيقي ليس في عدد الكليات، بل في شجاعة القرار التعليمي.
وإلا سنجد أنفسنا بعد سنوات نسأل نفس السؤال… ولكن بصوت أعلى، وموارد أقل.
#حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل



