كتبت-هاجرمحمدموسى
إن ارتفاع الأسعار لم يعد ظاهرة معزولة تُناقش في الاجتماعات وتنشر عبر الدراسات، بل أصبح معاناة يومية يعيشها المواطن على طاولة العشاء، وفي صيدلية الدواء، وعند دفع فاتورة الكهرباء والمياه، وعند شراء احتياجات الأطفال والأسرة من الغذاء. فكل ارتفاع في سعر الدولار ينعكس مباشرة على تكلفة السلع المستوردة، ومكونات الإنتاج، والوقود، ومواد البناء، وحتى الأدوية، لتتحول هذه الزيادات تدريجياً إلى أعباء إضافية على جيب الأسرة المصرية.
وتؤكد بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء أن التضخم السنوى بلغ 10.3% في ديسمبر 2025، بعد أن كان 23.4% في الشهر المقابل من العام السابق، فيما تراجع إلى 12% في أكتوبر 2026. وهذا التراجع مؤشر إيجابى، لكنه لا يعنى أن معاناة المواطنين انتهت فالتضخم يظل مرتفعاً بما يكفى لتآكل القوة الشرائية، خصوصاً عندما ترتفع أسعار السلع الأساسية ومكونات الإنتاج المرتبطة بالدولار
في السياسات المالية ، يمكن تفسير هذه المعاناة عبر نظرية التمويل بالتضخم وعبء الدين الخارجى. فحين تنخفض قيمة الجنيه، ترتفع القيمة بالجنيه للالتزامات المقومة بالعملة الأجنبية، وتزداد تكلفة الفوائد والأقساط، فيضطر الجهاز المالى إلى تخصيص حصة أكبر من الإنفاق لخدمة الدين بدلاً من الاستثمار والخدمات الاجتماعية.
يعرف لتمويل بالتضخم (أو التمويل بالعجز) هو قيام الحكومة أو السلطة النقدية بخلق نقود جديدة أو توسيع الائتمان المصرفي لتمويل النفقات العامة وعجز الموازنة أو خطط التنمية، مما يترتب عليه ارتفاع في المستوى العام للأسعار
وتشير بيانات وزارة المالية إلى أن خدمة الدين بلغت 10.6% من الناتج المحلى الإجمالى في موازنة 2025/2026، وأنها تمثل 49.1% من إجمالى الإنفاق، فيما بلغ عجز الموازنة 6.06% من الناتج المحلى.
هذه الأرقام تكشف أن سعر الصرف لم يعد مسألة خارجية لإنهاتمس الداخل فكل تغيير في الاحتياطى الأجنبي، يمثل تحدي أمام الحكومة لتمويل التعليم والصحة والحماية الاجتماعية.
ويتشابه ذلك مع نظرية الميزانية المتوازنة الوظيفية، التي ترى أن السياسات المالية ليست غاية في ذاتها، بل أداة لتحقيق الاستقرار الاقتصادى والاجتماعى. فالدولة لا ينبغى أن تكتفى بضبط عجز الموازنة، بل ينبغى أن تستخدم أدواتها الضريبية والإنفاقية والنقدية لتحقيق استقرار الأسعار، وتشغيل الموارد، وتوزيع عادل للعبء الاقتصادى.
ومن هنا، فإن إعادة العملة الأجنبية إلى القنوات الرسمية ليست مجرد إجراء تنظيمى، بل سياسة مالية واقتصادية متكاملة. فحين تتحول العملة من سلعة مضاربة إلى أداة نقدية، تتحسن كفاءة تخصيص الموارد، وتقل الفجوة بين السعرين، وتصبح القوى السعرية أكثر صدقاً أمام المستثمر والمستهلك والمصدر على حد سواء.
الخطر الحقيقى لسعر الصرف لا يظهر في الأرقام فقط، بل في طاولة الأسرة المصرية. فكل ارتفاع في سعر الدولار ينعكس على أسعار الغذاء والدواء والوقود ومواد البناء ومكونات التصنيع، ويتحول تدريجياً إلى ضغط على الدخل الحقيقى للأسر. لذلك فإن استقرار سعر الصرف ليس شرط أساسى لحماية القوة الشرائية وتحقيق العدالة التوزيعية
كما أن ارتفاع خدمة الدين الخارجى يقلص الهامش المتاح للإنفاق الاجتماعى، ويجعل الدولة أكثر عرضة لصدمات خارجية، سواء في أسعار النفط أو تقلبات الأسواق العالمية أو تراجع تدفقات الاستثمار. وهنا تظهر أهمية السياسات المالية كأداة حماية، لا كأداة ضغط فقط.
إن معالجة خطورة سعر الصرف وارتفاع الأسعار تتطلب منظومة متكاملة تقوم على إعادة ثقة المواطن والمستثمر في القنوات الرسمية للتحويل والتعامل بالعملة الأجنبية، والحد من الفجوة بين السعر الرسمى والسوق الموازى عبر شفافية أكبر في آليات التسعير، وتعزيز الصادرات والتحويلات وتدفق الاستثمار الأجنبي المباشر بدلاً من الاعتماد على التمويل قصير الأجل، وضبط الإنفاق العام وتحسين كفاءة التحصيل الضريبى دون زيادة العبء على الفئات محدودة الدخل.
إن حماية المواطن من تآكل قوته الشرائية ليست مسؤولية اقتصادية فقط، بل مسؤولية اجتماعية . فحين تستقر الأسعار، ويعود سعر الصرف إلى الوضع الطبيعى، تتحسن قدرة الأسرة على تلبية احتياجاتها، وتقل الضغوط على الموازنة العامة، ويصبح الاستقرار الاقتصادى واقعاً ملموساً


