بين تهميش الأستاذ الجامعي وانفصال البحث العلمي عن سوق العمل
بقلم: د. مروة الشافعي
عضو المكتب السياسي لحزب العدل
أصبح جذب الطلاب الوافدين وزيادة الإيرادات بالعملة الأجنبية من الملفات المطروحة في تطوير التعليم العالي المصري. لكن السؤال الذي يستحق النقاش هو: هل يكفي أن تجذب جامعاتنا مزيدًا من الطلاب الأجانب حتى تصبح قادرة على المنافسة عالميًا، أم أن الأمر يحتاج إلى تغيير أعمق في سياسات التعليم والبحث العلمي؟
جذب الطلاب الدوليين مهم اقتصاديًا وأكاديميًا، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن الاستثمار في جودة التعليم، وتمويل البحث العلمي، وتطوير المعامل، وتحسين أوضاع أعضاء هيئة التدريس، وربط الجامعات بالاقتصاد.
المشكلة ليست في جذب الطلاب الأجانب، بل في اختزال تطوير الجامعات في أعدادهم والإيرادات التي يحققونها.
التصنيفات الدولية: ماذا تقول الأرقام؟
هناك تصنيفات عالمية متعددة للجامعات، أبرزها تصنيف تايمز للتعليم العالي (THE) وتصنيف كيو إس (QS)، ولكل منهما منهجية مختلفة في تقييم الأداء الجامعي.
في تصنيف THE لعام 2027، تمثل جودة البحث العلمي 30%، وبيئة البحث العلمي 29%، وجودة التدريس 29.5%، والانفتاح الدولي 7.5%، والصناعة 4%. وتمثل نسبة الطلاب الدوليين وحدها 2.5% من إجمالي التقييم.
أما تصنيف QS العالمي لعام 2027، فيخصص 30% للسمعة الأكاديمية، و20% للاستشهادات العلمية لكل عضو هيئة تدريس، و15% لسمعة الجامعة لدى أصحاب العمل، و10% لنسبة أعضاء هيئة التدريس إلى الطلاب، و5% لكل من نسبة أعضاء هيئة التدريس الدوليين، ونسبة الطلاب الدوليين، وشبكة الأبحاث الدولية، ونتائج التوظيف، والاستدامة.
وتوضح هذه المؤشرات أن استقطاب الطلاب الدوليين عنصر مهم، لكنه جزء من منظومة أوسع تشمل جودة التعليم، وقوة البحث العلمي، والسمعة الأكاديمية، والتوظيف، والتعاون الدولي.
لذلك، يجب أن يكون تحسين التصنيف نتيجة لتطوير الجامعة، وليس هدفًا منفصلًا عن جودة التعليم وأثر البحث العلمي.
الأستاذ الجامعي: مطلوب منه أن ينافس عالميًا.. ولكن بأي إمكانات؟
نطالب الأستاذ الجامعي بالنشر في دوريات دولية مرموقة، وحضور المؤتمرات العالمية، وبناء شراكات بحثية، والمشاركة في مشروعات تنافسية. لكن هل تتناسب إمكاناته المادية مع هذه المتطلبات؟
في ظل محدودية الرواتب والتمويل المتاح، قد تمثل تكاليف السفر للمؤتمرات والنشر العلمي والوصول إلى قواعد البيانات عبئًا كبيرًا. وقد يجد الباحث نفسه مضطرًا إلى تحمل جانب من تكلفة المنافسة الدولية من موارده الخاصة.
لا يمكن أن نطلب من الأستاذ الجامعي إنتاج أبحاث تنافس عالميًا دون توفير التمويل والأدوات والوقت اللازم لذلك.
المطلوب هو منح تنافسية للبحث والسفر والنشر، ومعامل مجهزة، وإتاحة قواعد البيانات العلمية، وتحسين الأوضاع المهنية لأعضاء هيئة التدريس، وتقييمهم وفق جودة أبحاثهم وتأثيرها، وليس بمجرد عدد المنشورات.
لا يمكن أن نطالب الأستاذ الجامعي بمخرجات عالمية، بينما نتركه يواجه تكاليف المنافسة وحده.
البحث العلمي وسوق العمل: أين الحلقة المفقودة؟
نطالب الجامعات بإنتاج أبحاث تطبيقية تخدم الاقتصاد، لكننا لا نوفر دائمًا للأستاذ الجامعي المساحة اللازمة للتواصل مع مجتمع الأعمال أو القنوات المؤسسية التي تساعده على تحويل أبحاثه إلى حلول عملية.
كيف يمكن للباحث أن يطور حلولًا لمشكلات المصانع والشركات إذا لم تتوفر له فرص حقيقية للتعاون معها، أو الوصول إلى البيانات، أو الحصول على تمويل للمشروعات المشتركة؟
في بعض الجامعات الدولية، توجد شراكات منظمة مع أصحاب العمل تشمل التدريب العملي، والمشروعات المشتركة، والتعليم التعاوني، ومسارات توظيف قد تبدأ قبل التخرج. وهذه النماذج تقوم على تعاون مستمر بين الجامعة والمؤسسات الاقتصادية، وليس مجرد اتفاقيات شكلية.
نحتاج في مصر إلى شراكات بحثية تمولها الشركات، ومكاتب لنقل التكنولوجيا، وحاضنات للابتكار، وبرامج تدريب وتوظيف، وآليات تتيح للباحثين المشاركة في حل مشكلات الإنتاج والخدمات.
والمسؤولية مشتركة؛ فالجامعة مطالبة بالانفتاح على الاقتصاد، والقطاع الخاص مطالب بالاستثمار في المعرفة والاستفادة من الخبرات العلمية المتاحة.
النشر العلمي: الجودة قبل العدد
لا تُقاس قوة البحث العلمي بعدد الأبحاث المنشورة فقط، ولا بمجرد إصدار مجلات علمية تحمل اسم الجامعة. المعيار الحقيقي هو أصالة البحث، وجودة التحكيم، وتأثير النتائج، وقدرة المجلات على المنافسة دوليًا.
وهذا يتطلب دعم النشر في الدوريات الدولية الموثوقة، وتطوير المجلات المصرية المؤهلة للمنافسة عالميًا، وتمويل المشروعات البحثية، ودعم الباحثين الشباب، والالتزام بمعايير النزاهة الأكاديمية.
كما يتطلب تقييم الباحثين وفق جودة إسهاماتهم وأثرها، مع مراعاة اختلاف التخصصات، بدلًا من تحويل النشر إلى سباق في الأعداد.
الحيز المالي المحدود: كيف نمول التطوير؟
لا يمكن مناقشة تطوير الجامعات بمعزل عن الوضع المالي للدولة. فارتفاع أعباء الدين وخدمته يضغط على الموازنة العامة، ويحد من المساحة المتاحة للإنفاق على قطاعات أساسية، من بينها التعليم والبحث العلمي والصحة والبنية التحتية.
وهنا تصبح القضية أوسع من مطالبة الجامعات بزيادة إيراداتها. فالمطلوب هو إدارة الموارد المحدودة بكفاءة، وترتيب أولويات الإنفاق العام، وتوسيع الشراكات مع القطاع الخاص والمؤسسات البحثية الدولية، مع ضمان تمويل مستدام للبحث العلمي.
صحيح أن جذب الطلاب الدوليين وتنويع مصادر التمويل يمكن أن يسهما في تخفيف الضغوط، لكنهما لا يغنيان عن الاستثمار في التعليم. كما أن الاعتماد المفرط على الموارد الذاتية قد يوسع الفجوة بين الجامعات بحسب قدرتها على جذب الطلاب والحصول على التمويل.
التحدي الحقيقي هو مواجهة الضغوط المالية الحالية دون التضحية بقدرة مصر على بناء المعرفة وتحقيق النمو مستقبلًا.
الطلاب الوافدون وحقوق أبنائنا: أين تكافؤ الفرص؟
يثير اختلاف قواعد قبول الطلاب الوافدين عن قواعد قبول الطلاب المصريين تساؤلات مشروعة، خصوصًا في التخصصات التي تشهد منافسة شديدة، مثل الطب.
وقد أوضحت تصريحات حكومية أن قبول الوافدين يتم من خلال مسار منفصل عن الأماكن المخصصة للمصريين. لكن من المهم أن تكون قواعد القبول والأعداد والطاقة الاستيعابية ومعايير المفاضلة واضحة ومتاحة للمجتمع.
فإذا كانت بعض البرامج تسمح بقبول طلاب وافدين بمجاميع أقل من الحدود المطلوبة للطلاب المصريين، فمن حق المجتمع أن يعرف أسس هذا الاختلاف، وكيفية مراعاة اختلاف أنظمة التعليم والشهادات، وما الضمانات التي تحافظ على المستوى الأكاديمي وتكافؤ الفرص.
ليس الاعتراض على الطلاب الوافدين؛ فهم يمثلون فرصة للتبادل الثقافي والأكاديمي ومصدرًا مهمًا للتعاون الدولي. لكن زيادة الإيرادات يجب ألا تكون على حساب جودة التعليم أو ثقة الطلاب المصريين في عدالة نظام القبول.
من حق الجامعات تنويع مصادر تمويلها، ومن حق الطلاب الوافدين الحصول على فرص عادلة، ومن حق أبنائنا أيضًا أن يطمئنوا إلى حماية فرصهم التعليمية.
المطلوب سياسات عامة لا شعارات
تطوير الجامعات لا يتحقق بمجرد مطالبة كل جامعة بتحسين ترتيبها، بل يحتاج إلى سياسة عامة واضحة تربط التمويل بالأولويات والنتائج، وتشمل:
- تمويل البحث العلمي: من خلال منح تنافسية ومستدامة للباحثين والمشروعات.
- تحسين أوضاع الأستاذ الجامعي: وتوفير الإمكانات التي تسمح له بالإنتاج العلمي والمنافسة الدولية.
- تطوير البنية التحتية: من معامل ومكتبات رقمية وقواعد بيانات وخدمات أكاديمية.
- ربط الجامعة بالاقتصاد: من خلال شراكات فعلية مع الصناعة والقطاع الخاص وبرامج التدريب والتوظيف.
- قياس الأثر: عبر جودة الخريجين، وتأثير الأبحاث، والابتكار، ونقل التكنولوجيا، وخدمة المجتمع، وليس الإيرادات وأعداد الطلاب وحدها.
كما ينبغي تحديد المجالات العلمية التي تحتاج مصر إلى التميز فيها، وتوجيه الموارد وفق أولويات واضحة، مع الحفاظ على تكافؤ الفرص وجودة التعليم.
أي جامعة نريد لمصر؟
نريد جامعات تستقبل الطلاب الأجانب لأنها تقدم تعليمًا متميزًا وبحثًا علميًا قويًا، وأستاذًا جامعيًا يمتلك الإمكانات التي تساعده على المنافسة، وبحثًا علميًا يصل إلى القطاعات الإنتاجية ويسهم في حل مشكلات حقيقية.
الإيرادات الدولارية مهمة، لكنها وسيلة لدعم التطوير وليست بديلًا عنه. والطلاب الوافدون إضافة مهمة، لكنهم ليسوا معيار النجاح الوحيد.
إن بناء جامعة قادرة على المنافسة عالميًا يبدأ من الاستثمار في الإنسان والمعرفة، ومن سياسات عامة توازن بين القيود المالية الحالية واحتياجات التنمية طويلة الأجل.
السؤال ليس فقط: كم طالبًا أجنبيًا نستطيع جذبه؟ بل: ماذا نقدم من علم ومعرفة وابتكار حتى تصبح جامعاتنا جديرة بأن يختارها العالم؟


