مقال رأي للكاتب إبراهيم العجمي، عضو الهيئة العليا لحزب العدل

في الوقت الذي يفترض فيه أن تعمل المرافق العامة على تسهيل حياة المواطنين وتقديم الخدمات لهم، تبرز قرارات تفتح الباب أمام تساؤلات قانونية ودستورية تتعلق بحدود سلطة الإدارة في فرض أعباء مالية جديدة على المواطنين، ومن بينها فرض مبلغ قدره 50 جنيهًا على المواطن الذي يرغب في توديع أو مساعدة في حمل الحقائب لأحد أفراد أسرته على رصيف محطة السكك الحديدية.

المسألة هنا لا تتعلق بقيمة المبلغ وحدها، وإنما بفلسفة إدارة المرفق العام، والحدود التي ينبغي أن تقف عندها السلطة التنفيذية عندما تتعامل مع حق المواطن في الانتفاع بمرفق أنشأته الدولة وأُديرت موارده لتحقيق الصالح العام.

لا ينبغي أن تُدار المرافق العامة بمنطق الجباية، ولا أن تتحول الأزمات المالية أو أوجه القصور الإداري إلى مبرر لفرض أعباء متزايدة على المواطنين في تفاصيل حياتهم اليومية. فالمواطن الذي يستخدم السكك الحديدية ليس مجرد مصدر للإيرادات، بل هو أحد أصحاب المصلحة الأساسيين في هذا المرفق، الذي تُسهم موارد الدولة والضرائب العامة في تمويله ودعمه.

وعندما تُفرض أعباء جديدة، يجب أن تكون هناك شفافية كاملة بشأن أسبابها، وسندها القانوني، وضرورتها، وكيفية تحديد قيمتها، مع توفير آليات واضحة للتظلم والرقابة والمساءلة.

فالمواطن ليس مسؤولًا وحده عن معالجة أوجه القصور في إدارة المرافق العامة، ولا يجوز أن يصبح تحصيل الأموال بديلًا عن الإصلاح المؤسسي والإداري.

وتزداد أهمية النقاش في ضوء ما أُعلن رسميًا خلال الأسابيع الماضية عن تحقيق الهيئة القومية لسكك حديد مصر أرباحًا مالية للعام الثاني على التوالي، وتجاوزها مرحلة التعادل بين الإيرادات والمصروفات بعد سنوات طويلة من الخسائر.

ولا يعني تحقيق الأرباح، في حد ذاته، أن جميع الرسوم أو الإجراءات المالية تصبح غير مشروعة، كما لا يلغي الحاجة إلى تمويل تطوير المرفق وتحسين خدماته. لكنه يطرح تساؤلًا مهمًا حول فلسفة إدارة الإيرادات: هل الأولوية هي تحسين الكفاءة التشغيلية وتطوير الخدمة، أم البحث المستمر عن مصادر مالية إضافية يتحملها المواطن؟
إن الإعلان عن تحسن الوضع المالي للمرفق ينبغي أن يصاحبه نقاش حول انعكاس ذلك على جودة الخدمة، ومستوى الأسعار، والعدالة في توزيع الأعباء، وليس الاكتفاء بالنظر إلى المواطن باعتباره موردًا ماليًا متاحًا في كل مناسبة.

والسؤال الذي ينبغي أن توجهه الجهات الرقابية والتشريعية إلى وزارة النقل والهيئة القومية لسكك حديد مصر ليس فقط: لماذا فُرض مبلغ الخمسين جنيهًا؟ وإنما أيضًا: ما السند القانوني الدقيق لهذا الإجراء؟ وما طبيعته القانونية؟ وما الهدف المحدد منه؟ وهل يتناسب مع الغرض الذي أُقر من أجله؟
إن احترام المواطن يبدأ من احترام حقه في المعرفة، وحقه في الحصول على خدمة عامة تُدار وفق القانون، وحقه في ألا يتحول كل احتياج يومي إلى فرصة جديدة لفرض رسوم أو أعباء مالية.

المرفق العام وُجد لخدمة المواطن، والقانون يجب أن يكون الحاكم لكل قرار، لا مجرد غطاء لتبرير تحصيل الأموال. إصلاح السكك الحديدية مسؤولية إدارية ومؤسسية، ولا ينبغي أن يُختزل في البحث عن جيوب المواطنين