هل نحن في سباق مع المال أم مع أنفسنا؟بقلم : أحمد صبره ،،، الباحث الإقتصادي والسياسيلا يكاد يمر يوم دون أن نجد أنفسنا في سباق جديد، سباق مع تفويلة السيارة، وشحن كارت الكهرباء، وشراء احتياجات البيت، وسداد فاتورة هنا والتزام هناك. سباق لا نعرف متى بدأ، ولا إلى أين سينتهي، والأهم أننا في كثير من الأحيان لا نشعر أننا نتحرك إلى الأمام، بقدر ما نحاول فقط أن نحافظ على مكاننا. أصبحت تفاصيل الحياة اليومية تستهلك قدرًا كبيرًا من التفكير والقلق، حتى إن شراء بعض الاحتياجات البسيطة من البقال لم يعد أمرًا عابرًا، بل عملية حسابية تحتاج إلى مراجعة وترتيب للأولويات.
المشكلة أن الأمر لم يعد متعلقًا بالكماليات أو بمحاولة الوصول إلى مستوى أعلى من الرفاهية، وإنما أصبح متعلقًا بالاحتياجات الأساسية. البنزين أو المواصلات للوصول إلى العمل، الكهرباء والمياه، الطعام والشراب، مصروفات المدارس، الملابس، ومتطلبات الأبناء، وكلها التزامات لا يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية. ثم يأتي المرض، لا قدر الله، كاحتمال لا نريد حتى التفكير فيه، لأن مجرد حدوثه قد يعني التزامات مالية إضافية لا تستطيع كثير من الأسر تحملها بسهولة.

وفي وسط كل هذه الالتزامات، يختفي شيئًا فشيئًا ذلك الجزء من الدخل الذي كان يمكن أن نضعه جانبًا للمستقبل. لم يعد الادخار بالنسبة لكثير من الأسر قرارًا مؤجلًا، وإنما أصبح رفاهية يصعب الوصول إليها. فكيف يمكن لأسرة أن تدخر لمصروفات المدارس، أو لشراء ملابس جديدة للأبناء، أو لمواجهة ظرف طارئ، بينما الدخل نفسه بالكاد يكفي حتى نهاية الشهر؟ وهنا لا نتحدث عن الادخار من أجل الرفاهية، وإنما عن الحد الأدنى من الأمان الذي تحتاجه كل أسرة.

والأصعب من ارتفاع الأسعار نفسه هو أن يفقد الإنسان القدرة على التخطيط. أن تعرف دخلك، وتعرف التزاماتك، وتستطيع أن تضع خطة بسيطة للشهر أو للسنة القادمة، هو جزء أساسي من الاستقرار النفسي والاجتماعي. لكن عندما يصبح كل ارتفاع جديد في سعر سلعة أو خدمة قادرًا على إعادة ترتيب ميزانية الأسرة بالكامل، فإن المواطن يجد نفسه في حالة من المطاردة المستمرة، لا يلاحق طموحاته، وإنما يلاحق احتياجاته.

وهنا أجد نفسي أمام سؤال ربما يكون أهم من سؤال: لماذا ارتفع سعر هذه السلعة أو تلك؟ هل نحن في سباق مع المال أم أننا أصبحنا في سباق مع أنفسنا؟ هل أصبح هدفنا أن نعمل أكثر فقط حتى نستطيع أن نحافظ على نفس المستوى الذي كنا نعيش به بالأمس؟ وهل يمكن أن يكون النمو الحقيقي هو أن يزيد دخل الإنسان، بينما تلتهم الزيادة نفسها ارتفاعات الأسعار والالتزامات؟

نحن بالتأكيد لا نحتاج إلى اقتصاد يمنح المواطن حياة بلا تحديات، فهذا أمر غير واقعي، ولكننا نحتاج إلى اقتصاد يمنحه مساحة للحركة. مساحة يستطيع فيها أن ينفق على احتياجاته الأساسية، ويدخر جزءًا من دخله، ويخطط لتعليم أبنائه، ويواجه ظرفًا طارئًا، وربما يحقق حلمًا صغيرًا لنفسه ولأسرته. فالاقتصاد في النهاية ليس مجرد أرقام ومؤشرات ونسب نمو، وإنما هو حياة ملايين البشر وقدرتهم على أن يعيشوا بقدر من الأمان والكرامة.

لذلك ربما يكون السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه جميعًا: إذا كان كل ما نكسبه اليوم يذهب بالكاد لتغطية احتياجات اليوم، فمن أين سنبني الغد؟
المواطن لا يبحث دائمًا عن حياة مترفة، ولا يريد أن يمتلك كل شيء، لكنه يريد فقط أن يشعر أن مجهوده له قيمة، وأن دخله يسمح له بأن يعيش اليوم ويفكر في الغد في الوقت نفسه. وربما يكون نجاح أي سياسات اقتصادية في النهاية هو قدرتها على أن تنقل المواطن من مجرد محاولة النجاة من نهاية الشهر، إلى القدرة على التخطيط لما بعده.