في عالم تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد، وتتقاطع فيه القرارات الوطنية مع المتغيرات الدولية، لم تعد الأزمات الاقتصادية التي تواجهها الدول بمعزل عن التحولات التي يشهدها النظام الدولي. وما يحدث في مصر، خصوصًا في ملفي الدواء والطاقة، لا يمكن قراءته فقط باعتباره نتيجة لاختلالات داخلية، وإنما باعتباره أيضًا حصيلة تفاعل معقد بين السياسات الوطنية، والاضطرابات العالمية، وآليات الحوكمة الدولية، سواء تلك التي تعمل عبر مؤسسات رسمية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أو تلك التي تتشكل بصورة غير رسمية من خلال تحالفات القوى الاقتصادية الكبرى والشركات متعددة الجنسيات وشبكات المصالح العابرة للحدود.
وإذا تأملنا المشهد الدولي خلال السنوات الأخيرة، بدءًا من التوترات الاقتصادية والسياسية بين الدول، مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى حرب غزة والتطورات العسكرية في منطقة باب المندب، وما ترتب عليها من اضطرابات في حركة التجارة وسلاسل الإمداد العالمية، سنجد أن هذه الأحداث، رغم اختلاف أسبابها ومواقعها، تركت آثارًا مباشرة وغير مباشرة على الاقتصاد المصري. فارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وتكاليف النقل والتأمين، واضطراب حركة التجارة الدولية، وضغوط النقد الأجنبي، كلها حلقات مترابطة تؤثر في قدرة الاقتصاد المصري على توفير احتياجاته الأساسية.
ومن هنا يمكن طرح مفهوم «الحوكمة العالمية الموازية» باعتباره إطارًا تحليليًا لفهم جانب من هذه التحولات. والمقصود هنا ليس وجود غرفة مغلقة تدير الاقتصاد العالمي من خلف الستار، وإنما شبكة واسعة من المصالح والتفاعلات غير الرسمية التي تتشكل بين القوى الاقتصادية الكبرى، والمؤسسات المالية، والشركات متعددة الجنسيات، ومراكز صنع القرار، والتي يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في خيارات الدول النامية ومساراتها الاقتصادية. وهذه الشبكة لا تعمل بمعزل عن المؤسسات الرسمية، بل تتفاعل معها وتستفيد من قواعد النظام المالي والتجاري العالمي وآليات توزيع القوة والنفوذ داخله.
وتظهر هذه التأثيرات بوضوح في النظام المالي الدولي، الذي يمنح المؤسسات والدول صاحبة الوزن الاقتصادي الأكبر قدرة أكبر على التأثير في الدول التي تعاني من فجوات تمويلية أو نقص في العملات الأجنبية. كما أن برامج التمويل والإصلاح الاقتصادي التي تقدمها المؤسسات المالية الدولية غالبًا ما ترتبط بمجموعة من الإجراءات المتعلقة بسعر الصرف، وإدارة الدعم، والسياسات المالية والنقدية، وإعادة هيكلة قطاعات الاقتصاد. وقد تكون بعض هذه الإصلاحات ضرورية لمعالجة اختلالات حقيقية، لكنها قد تفرض في الوقت نفسه تكاليف اجتماعية واقتصادية مرتفعة إذا لم تُراعَ خصوصية كل اقتصاد وقدرته على تحمل آثارها قصيرة الأجل.
ولا تقتصر آليات التأثير على التمويل الدولي أو السياسات النقدية، وإنما تمتد إلى التجارة وسلاسل الإمداد والطاقة والتكنولوجيا والغذاء. فالتغيرات في السياسات التجارية للدول الكبرى، والرسوم الجمركية، وإعادة توزيع خطوط الإنتاج العالمية، والتنافس على مصادر الطاقة والمواد الخام، كلها عوامل قادرة على إعادة تشكيل اقتصادات الدول النامية حتى دون أن تكون طرفًا مباشرًا في هذه الصراعات. وفي هذا السياق تصبح الدول التي تعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد أكثر عرضة للصدمات الخارجية، خصوصًا عندما تتزامن تلك الصدمات مع ضغوط على مواردها من النقد الأجنبي.
ويأتي قطاع الدواء المصري في مقدمة القطاعات التي تكشف تعقيدات هذه العلاقة. فمصر تمتلك قاعدة صناعية دوائية كبيرة وخبرة تراكمية مهمة، إلا أن جزءًا من مدخلات الإنتاج والمواد الفعالة والمكونات الدوائية ما زال يعتمد على الاستيراد، ولا سيما من الأسواق الآسيوية. وبالتالي فإن أي اضطراب في أسعار الصرف أو تكاليف الشحن أو توافر العملة الأجنبية أو أسعار المواد الخام ينعكس بصورة مباشرة على تكلفة الإنتاج المحلي.
وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تتزامن الضغوط على قطاع الدواء مع أزمة الطاقة. فارتفاع تكلفة الطاقة يؤثر في المصانع ومرافق التخزين وسلاسل النقل والتوزيع، بينما يؤدي ارتفاع تكلفة المدخلات المستوردة إلى زيادة تكلفة إنتاج الدواء. وفي المقابل، فإن نظم التسعير التي لا تستطيع الاستجابة بالسرعة الكافية لهذه المتغيرات قد تؤدي إلى فجوة بين التكلفة الحقيقية للإنتاج والسعر النهائي، وهو ما يمكن أن ينعكس على توافر بعض الأصناف أو استمرارية إنتاجها.
وهنا لا ينبغي اختزال أزمة الدواء في نقص الدولار أو ارتفاع أسعار المواد الخام وحدهما؛ فالمشكلة الأعمق ترتبط بمدى قدرة الصناعة المصرية على الانتقال من نموذج يعتمد بدرجات متفاوتة على استيراد المدخلات إلى نموذج أكثر استقلالًا في إنتاج المواد الفعالة والمكونات الأساسية والتكنولوجيا الدوائية. فالتصنيع المحلي الحقيقي لا يعني فقط إنتاج المنتج النهائي داخل مصر، وإنما يمتد إلى امتلاك المعرفة والتكنولوجيا وسلاسل القيمة المرتبطة به.
والأمر نفسه ينطبق على قطاع الطاقة. فالأزمة التي تواجهها مصر في هذا المجال لا يمكن فصلها عن التحولات التي شهدتها أسواق الطاقة العالمية، ولا عن ارتفاع الطلب المحلي وتكاليف الاستيراد، ولا عن التغيرات في إنتاج الغاز وتوازنات السوق الإقليمية. كما أن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، ولا سيما الحرب في غزة والاضطرابات في البحر الأحمر وباب المندب، أضافت طبقات جديدة من المخاطر إلى منظومة التجارة والطاقة والنقل.
وتكشف هذه التطورات عن حقيقة أساسية، وهي أن الاقتصاد المصري يتأثر بصورة متزايدة بما يحدث خارج حدوده. فموقع مصر الجغرافي يجعلها جزءًا أساسيًا من حركة التجارة العالمية، وقناة السويس تمثل أحد أهم مصادر العملة الأجنبية للاقتصاد المصري، كما أن اعتماد الاقتصاد على استيراد جزء من احتياجاته من الطاقة والمواد الخام والسلع الوسيطة يجعل أي اضطراب عالمي قابلًا للانتقال سريعًا إلى الداخل المصري.
وفي هذا الإطار، فإن الحديث عن «الحوكمة العالمية الموازية» لا ينبغي أن يتحول إلى تفسير مؤامراتي للأزمات. فهناك بالفعل مصالح متعارضة، وقواعد دولية غير متكافئة، وفوارق كبيرة في القوة التفاوضية بين الدول، لكن ذلك لا يعني أن كل أزمة تواجهها دولة نامية هي نتيجة قرار خارجي متعمد. فجزء كبير من الأزمات يرتبط أيضًا باختلالات داخلية، وباختيارات اقتصادية وطنية، وبضعف بعض القطاعات الإنتاجية، وبالاعتماد المفرط على التمويل أو الاستيراد.
ومن هنا تصبح القضية الحقيقية هي كيفية إدارة العلاقة بين العاملين الداخلي والخارجي. فالدولة التي تمتلك قاعدة إنتاج قوية، وقدرة تكنولوجية مستقلة، وموارد متنوعة من النقد الأجنبي، وشبكة واسعة من العلاقات التجارية والاستثمارية، تكون أكثر قدرة على مقاومة الضغوط الخارجية والتفاوض من موقع أقوى. أما الاقتصاد الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد والتمويل الخارجي، فإنه يصبح أكثر حساسية للتحولات التي تحدث في النظام الدولي.
وتشير هذه الحقيقة إلى ضرورة إعادة النظر في مفهوم الأمن الاقتصادي المصري، بحيث لا يقتصر على إدارة الأزمات بعد وقوعها، وإنما يقوم على بناء قدرات إنتاجية مستدامة. ويشمل ذلك توطين الصناعات الاستراتيجية، وتطوير صناعة المواد الفعالة والأدوية الأساسية، وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتنوعة، ودعم البحث والتطوير، وتعميق التصنيع المحلي، وربط الجامعات ومراكز البحث بالصناعة، إلى جانب تحسين كفاءة إدارة الموارد العامة.
كما أن بناء تحالفات اقتصادية إقليمية يمثل أحد الخيارات المهمة أمام مصر. فالتكامل الاقتصادي مع الدول العربية والأفريقية، وتعزيز العلاقات مع القوى الاقتصادية الصاعدة، وتنويع الشراكات التجارية والاستثمارية، يمكن أن يوفر بدائل أوسع أمام الاقتصاد المصري ويقلل من الاعتماد على مسار واحد للتمويل أو التجارة أو الحصول على التكنولوجيا. ولا يعني ذلك الانعزال عن المؤسسات المالية الدولية، وإنما يعني الدخول في علاقات أكثر توازنًا تقوم على تعدد البدائل وتعزيز القدرة التفاوضية.
وفي الوقت نفسه، تحتاج مصر إلى التعامل مع المؤسسات الدولية من موقع يقوم على التفاوض والمصلحة الوطنية، لا على الرفض المطلق ولا على القبول غير المشروط. فالإصلاح الاقتصادي قد يكون ضرورة، لكن نجاحه يتوقف على تصميمه وتوقيته وقدرته على حماية الفئات الأكثر تأثرًا، وعلى تحقيق التوازن بين متطلبات الاستقرار المالي وبين احتياجات النمو والتشغيل والحماية الاجتماعية.
إن ما تمر به مصر في ملفي الدواء والطاقة ليس وليد عامل واحد، ولا يمكن تفسيره بنظرية المؤامرة أو بإلقاء المسؤولية كاملة على الخارج. إنه نتاج تفاعل معقد بين اختلالات داخلية وصدمات دولية وقواعد اقتصادية عالمية وتوازنات جيوسياسية متغيرة. ومن ثم فإن مواجهة هذه التحديات تتطلب قدرًا أكبر من الواقعية في قراءة النظام الدولي، بالتوازي مع قدر أكبر من الشجاعة في معالجة مواطن الضعف داخل الاقتصاد المصري.
وفي النهاية، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط من أجل توفير الدولار أو احتواء ارتفاع الأسعار، وإنما من أجل بناء اقتصاد يمتلك القدرة على الإنتاج والتفاوض والمنافسة. اقتصاد لا يكون مجرد سوق للمستهلكين أو ساحة لتجميع المنتجات المستوردة، وإنما طرفًا قادرًا على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا والدواء والطاقة والغذاء، وعلى بناء شراكات دولية من موقع أكثر استقلالًا. فاستقلال القرار الوطني في عالم اليوم لا يتحقق بالشعارات، وإنما ببناء قوة اقتصادية وإنتاجية حقيقية تمنح الدولة مساحة أوسع للحركة، وتحمي حق مواطنيها في التنمية والكرامة، وتضع مصر في موقع أكثر تأثيرًا داخل النظام الاقتصادي العالمي.


