في فصل الصيف، مع بداية شهر أغسطس، ومع موجة الغلاء غير المسبوقة التي تضرب مصر، واقتراب العام الدراسي الجديد، وفي ظل صمت رسمي مطبّق عن مصير الطبقة المتوسطة التي كانت تشكّل العمود الفقري للاقتصاد المصري، نجد أنفسنا أمام مشهد بؤس اقتصادي يزداد سواداً يوماً بعد يوم، حيث تتكشف كل الحقائق لتظهر أن الأزمة ليست مجرد ارتفاع في الأسعار، بل هي تآكل منهجي للقوة الشرائية للمواطن المصري، الأمر الذي يجعل مسألة سحب الثقة من الحكومة أو إقالتها ليست مجرد خيار سياسي، بل ضرورة لا تحتمل التأجيل. من أجل الوقوف على الأرقام الفعلية الآن، ومراعاة الطبقات التي تعاني بالفعل، لأن وحدة النقد بالنسبة لهؤلاء هي أُجرة المنزل، وسعر الخبز، وكيلو البطاطس، وزجاجة الزيت، وكرتونة البيض، بالإضافة إلى أُجرة المدرس الخصوصي وفاتورة الكهرباء. وبالتالي على الحكومة أن تراعي حالة المواطن المصري الذي يقف حائراً أمام فواتير الخدمات التي ترتفع دون مبرر واضح.

ولو تأملنا في أرقام زيادة الكهرباء الأخيرة، نجد أنها لم تقتصر على النسبة المعلنة، فقد شهدت أسعار الكهرباء في مصر ارتفاعاً ملحوظاً خلال العام الحالي 2026، حيث تم تثبيت أسعار أول ست شرائح منزلية منخفضة الاستهلاك، بينما شهدت الشريحة السابعة الأعلى استهلاكاً زيادة بنسبة 16% لترتفع من 2.23 جنيه إلى 2.58 جنيه لكل كيلوواط/ساعة، كما طالت الزيادات القطاع التجاري بنسب تراوحت بين 20% إلى 91%، وهي زيادات تم تطبيقها اعتباراً من أبريل 2026، لتفاجئ الحكومة المواطن المصري برفع سعر الكهرباء بزيادة جديدة نسبتها 12% تثقل كاهل المستهلك النهائي، وتؤكد أن السياسة الحكومية تقوم على تحميل المواطن أعباء الإصلاح الاقتصادي دون توفير شبكات أمان حقيقية.

هذه الزيادات تأتي وفقاً للسياسات المالية والنقدية التي تراعي متطلبات المؤسسات الدولية على حساب المواطن، فالتزامات الحكومة تجاه صندوق النقد الدولي دفعت إلى رفع الدعم عن الكهرباء بشكل تدريجي، متجاهلة أن تحسين الأوضاع المالية للدولة يجب أن يصاحبه تحسين حقيقي في مستوى معيشة المواطن، وهو ما لم يحدث، بل على العكس، فإن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، والذي بلغ 3,904 دولار في 2026، ورغم تحسنه الطفيف عن العام السابق، إلا أن زيادته تبقى أقل بكثير من نسب التضخم وارتفاع الأسعار، مما يعني أن المواطن أصبح يملك دخلاً اسمياً أعلى، لكنه في الواقع أفقر مما كان عليه.

ونتيجة لهذه السياسات، فإن الطبقة المتوسطة، تلك الشريحة التي كانت دائماً تمثل عماد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في مصر، تجد نفسها اليوم محاصرة بين ارتفاع التكاليف وتراجع الدخل الحقيقي، وقد وصلت ديون الأسر المصرية إلى 1.5 تريليون جنيه، واتجهوا للتمويل الاستهلاكي وغيره، وهو رقم يعكس حجم المعاناة التي وصل إليها المواطن الذي أصبح يقترض لتوفير احتياجاته الأساسية، ومعظم ودائع هذه الطبقة توضع في البنوك بعوائد تدر دخلاً ثابتاً لا يتناسب مع التضخم المتصاعد، مما يفقدها القدرة على الحفاظ على قيمة مدخراتها، ويدفعها إلى خط الفقر دفعاً.

الأغرب من ذلك أن هذه الأعباء المالية تتراكم على المواطن دون أن توفر له الحكومة أدنى فرصة لتحسين دخله بشكل قانوني وآمن، حيث أصبحت مؤشرات النمو تعكس النمو الاقتصادي ولا تعكس جودته، مجرد أرقام على ورق تقتل المواطن بين السطور.

لذلك، مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة واتساع الفجوة بين الدخل والأسعار، يُفرض مراجعة جادة للسياسات الاقتصادية، ويستلزم تحمل الحكومة مسؤوليتها السياسية، ففي النهاية، الحكومة التي ترهق مواطنيها بهذه الطريقة، وتفشل في توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة، وتغلق جميع أبواب الأمل في مستقبل أفضل، هي حكومة لا تراعي المواطن ولا تكفل له الحق في حياة آدمية.

من هنا، فإن الأمر لم يعد يقتصر على زيادة أسعار الكهرباء بنسبة معينة، أو حتى على ارتفاع أسعار السلع والخدمات، بل الأمر الآن هو وجود أزمة ثقة شاملة بين المواطن وحكومته، أزمة تتعلق بقدرة الحكومة على إدارة شؤون البلاد في ظل أزمة اقتصادية طاحنة، ولذلك فإن سحب الثقة من الحكومة أو إقالتها لم يعد ترفاً سياسياً، بل أصبح واجباً وطنياً لا يحتمل التأجيل، لأن استمرارها يعني استمرار تآكل ما تبقى من قدرة المواطن على الصمود، واستمرار تحول الطبقة المتوسطة من قوة منتجة وفاعلة إلى طبقة هامشية تعاني من ضغوط العيش، وهذا هو الطريق الأكيد لانهيار النسيج الاجتماعي بأكمله.