عادت أسعار المحروقات إلى واجهة النقاش الاقتصادي في مصر خلال الأسابيع الأخيرة، ليس بسبب ارتفاع جديد في الأسعار، وإنما بسبب التراجع الملحوظ في أسعار النفط العالمية دون أن ينعكس ذلك على السوق المحلية. وبينما تقف أسعار الوقود عند أعلى مستوياتها التاريخية تقريباً، يطرح المواطنون والخبراء سؤالاً مشروعاً: إذا كانت الأسعار ارتفعت مع صعود النفط العالمي، فلماذا لم تنخفض بعد تراجع هذا النفط إلى مستويات قريبة من تلك التي كان عليها قبل الأزمة؟
خلال الأربعة عشر شهراً الماضية شهدت مصر ثلاث زيادات متتالية في أسعار المحروقات. ففي أبريل 2025 ارتفعت أسعار البنزين والسولار للمرة الأولى ضمن آلية التسعير التلقائي، ثم أعقبها ارتفاع جديد في أكتوبر من العام نفسه، قبل أن تأتي الزيادة الثالثة والأكبر في مارس 2026 في أعقاب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما أحدثته من اضطرابات حادة في أسواق الطاقة العالمية.
وخلال هذه الفترة ارتفع سعر بنزين 95 من 17 جنيهاً إلى 24 جنيهاً للتر بزيادة بلغت 41%، بينما ارتفع بنزين 92 من 15.25 جنيهاً إلى 22.25 جنيهاً بزيادة بلغت 46%. أما بنزين 80، وهو الأكثر استخداماً بين شرائح واسعة من المواطنين، فقد ارتفع من 13.75 جنيهاً إلى 20.75 جنيهاً بنسبة تجاوزت 51%، في حين ارتفع سعر السولار من 13.5 جنيهاً إلى 20.5 جنيهاً للتر بزيادة بلغت 52%.
وكانت الزيادة الاستثنائية التي أُقرت في مارس 2026 مرتبطة بصورة مباشرة بالقفزة التاريخية التي شهدها خام برنت. فقبل اندلاع الأزمة الإقليمية كان النفط يتداول عند نحو 72 دولاراً للبرميل، ثم قفز خلال أيام قليلة إلى قرابة 120 دولاراً مع تصاعد المخاوف بشأن إمدادات الطاقة العالمية وتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز.
في ذلك الوقت بدا قرار رفع الأسعار منطقياً من منظور اقتصادي، خاصة مع الارتفاع الكبير في تكاليف الاستيراد والضغوط التي تعرضت لها أسواق الطاقة. إلا أن المشهد العالمي تغيّر بصورة جوهرية خلال الأشهر التالية. فمع تراجع التوترات السياسية وعودة حركة التجارة تدريجياً، انخفض خام برنت إلى نحو 80 دولاراً للبرميل، أي أنه محا تقريباً معظم المكاسب التي حققها خلال الأزمة.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية. فحين ارتفع النفط العالمي جرى رفع الأسعار المحلية سريعاً، أما بعد تراجع النفط فلم يظهر أي اتجاه مماثل للاستفادة من هذا الانخفاض. وهو ما يعزز الانطباع لدى قطاعات واسعة من الرأي العام بأن العلاقة بين أسعار النفط العالمية والأسعار المحلية تعمل في اتجاه واحد فقط.
هذه المفارقة فتحت الباب أمام تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت الزيادة الأخيرة مرتبطة فقط بالظروف الاستثنائية التي شهدتها أسواق الطاقة، أم أنها جاءت أيضاً في إطار تسريع مسار رفع الدعم عن المنتجات البترولية. فالحرب وفرت للحكومة مبرراً اقتصادياً وسياسياً لاتخاذ قرارات صعبة، لكن انتهاء معظم آثار تلك الأزمة لم ينعكس حتى الآن على المستهلك النهائي.
ورغم أن الحكومة تؤكد أن تسعير الوقود لا يعتمد على خام برنت وحده، فإن هذا التفسير لا يبدد جميع التساؤلات. فالمعادلة تشمل أيضاً سعر صرف الجنيه أمام الدولار، وتكلفة استيراد المنتجات البترولية والغاز الطبيعي المسال، وتكاليف النقل والتكرير والتوزيع، فضلاً عن مستهدفات الموازنة العامة للدولة وخطط إصلاح دعم الطاقة. لكن في المقابل، فإن غياب الشفافية الكاملة بشأن هيكل التكلفة الفعلي يجعل من الصعب على المواطن فهم الأسباب التي تبرر استمرار الأسعار عند مستوياتها الحالية رغم تحسن الظروف العالمية.
وتزداد حساسية الملف إذا ما نظرنا إلى انعكاساته على الاقتصاد المحلي. فأسعار الوقود لا تؤثر فقط على أصحاب السيارات، بل تمتد آثارها إلى تكاليف النقل الجماعي والبضائع والخدمات والإنتاج الصناعي والزراعي. لذلك فإن كل زيادة في أسعار المحروقات تتحول سريعاً إلى ضغوط تضخمية يشعر بها المواطن في مختلف جوانب حياته اليومية.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن نجاح برنامج إصلاح دعم الطاقة في تقليص الأعباء المالية على الموازنة العامة، يواجه المواطن واقعاً مختلفاً يتمثل في ارتفاع مستمر لتكاليف المعيشة. ولهذا لم يعد النقاش يدور حول سعر لتر البنزين أو السولار فقط، بل حول حدود قدرة الأسر المصرية على تحمل المزيد من الأعباء في ظل الضغوط الاقتصادية الراهنة.
وفي ضوء المعطيات الحالية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية خلال المراجعات المقبلة للأسعار. السيناريو الأول يتمثل في استمرار تثبيت الأسعار الحالية، وهو السيناريو الذي قد تفضله الحكومة إذا استمرت في إعطاء الأولوية لاستكمال مسار إصلاح الدعم والحفاظ على مستهدفات الموازنة العامة.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في إقدام الحكومة على خفض محدود لأسعار المحروقات إذا استمرت أسعار النفط العالمية بالقرب من مستوياتها الحالية واستقرت سوق الصرف المحلية. وفي هذا السيناريو قد يتراوح الخفض بين جنيه وجنيهين للتر، لتتراجع أسعار بنزين 95 من 24 جنيهاً إلى ما بين 22 و23 جنيهاً للتر، وبنزين 92 من 22.25 جنيهاً إلى ما بين 20.25 و21.25 جنيهاً، وبنزين 80 من 20.75 جنيهاً إلى ما بين 18.75 و19.75 جنيهاً، بينما قد ينخفض سعر السولار من 20.5 جنيهاً إلى ما بين 18.5 و19.5 جنيهاً للتر.
ورغم أن هذا السيناريو يبدو منطقياً من الناحية الاقتصادية في ظل تراجع خام برنت من ذروة قاربت 120 دولاراً للبرميل إلى نحو 80 دولاراً حالياً، فإنه يظل محفوفاً بتحديات سياسية ومالية كبيرة. فالواقع أن مصر لم تشهد أي خفض رسمي لأسعار الوقود منذ بدء برنامج إصلاح دعم الطاقة عام 2014، إذ اقتصرت قرارات لجنة التسعير التلقائي طوال السنوات الماضية على الرفع أو التثبيت فقط. وبالتالي فإن أي قرار بخفض الأسعار، حتى ولو كان في حدود جنيه إلى جنيهين للتر، سيشكل سابقة تاريخية وسياسية غير مسبوقة في مسار تسعير الطاقة في مصر.
وقد يحمل مثل هذا القرار دلالات تتجاوز أثره الاقتصادي المباشر، إذ سيبعث برسالة مفادها أن آلية التسعير لا تستجيب فقط لارتفاع الأسعار العالمية، وإنما أيضاً لانخفاضها عندما تسمح الظروف بذلك. غير أن اتخاذ هذه الخطوة سيحتاج إلى توازن دقيق بين الضغوط الشعبية المطالبة بانعكاس تراجع النفط العالمي على الأسعار المحلية، وبين التزامات الدولة المتعلقة بإصلاح منظومة الدعم والحفاظ على استدامة المالية العامة.
وفي حال إقرار هذا الخفض، فسيُسجل كأول تراجع رسمي في أسعار الوقود منذ بدء برنامج إصلاح الدعم عام 2014، ليصبح حدثاً سياسياً لا يقل أهمية عن كونه قراراً اقتصادياً. فبعد أكثر من عقد من الزيادات والتثبيت، سيكون ذلك أول دليل عملي على أن انخفاض الأسعار العالمية يمكن أن يصل إلى المواطن المصري، وليس فقط ارتفاعاتها.
أما السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالاً، فيتمثل في العودة إلى مستويات الأسعار السابقة للحرب، وهو خيار يبدو بعيد المنال في ظل اعتبارات الموازنة العامة والتزامات الإصلاح الاقتصادي، فضلاً عن صعوبة تبريره في ضوء التوجه العام الذي اتبعته الدولة خلال السنوات الماضية.
وفي النهاية، لا يبدو أن الظروف الاقتصادية الحالية تبرر زيادات جديدة في أسعار المحروقات، خاصة مع تراجع النفط العالمي واستقرار الأسواق نسبياً. لكن في الوقت نفسه، لا توجد مؤشرات مؤكدة على خفض الأسعار. وبين هذين الاحتمالين يبقى المواطن في انتظار إجابة واضحة عن سؤال بسيط: إذا كانت الحرب قد رفعت الأسعار، فلماذا لم يؤدِ انتهاء آثارها إلى خفضها؟
#حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل


