الرئيسيةمقالات العدلعلي ابو حميدعلي أبوحميد يكتب: الدعم حق.. وليس منحة حكومية

علي أبوحميد يكتب: الدعم حق.. وليس منحة حكومية

يدور الحديث هذه الأيام حول منظومة الدعم النقدي الجديدة، وخاصة ما يتعلق برغيف الخبز، حيث تشير التصورات المطروحة إلى احتساب حصة كل مواطن مستحق بنحو 150 رغيفًا شهريًا، بسعر 1.5 جنيه للرغيف، أي ما يعادل 225 جنيهًا شهريًا للفرد، مع إتاحة حرية استبدال هذه القيمة بسلع أو منتجات أخرى إذا لم يكن المواطن بحاجة إلى كامل حصته من الخبز.

وفي الحقيقة، فإن هذا التوجه في جانبه النظري يحمل العديد من المزايا. فهو يساعد على تقليل الهدر، ويحد من تسرب الدعم لغير مستحقيه، ويمنح الأسرة مرونة أكبر في إدارة احتياجاتها الفعلية. فليس من المنطقي أن يحصل الجميع على نفس الكميات بصرف النظر عن أنماط استهلاكهم المختلفة.

نحن مع أي إصلاح يحقق كفاءة أكبر في توجيه الدعم، ويمنع إهدار المال العام، ويضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين. لكن نجاح أي منظومة جديدة لا يقاس فقط بحسن نواياها أو بمزاياها النظرية، وإنما بقدرتها على حماية المواطنين مع مرور الوقت وفي مواجهة المتغيرات الاقتصادية.

الخطر الحقيقي لا يكمن في سعر الرغيف اليوم، ولا في قيمة الدعم المقررة الآن، وإنما في السؤال الأهم: ماذا سيحدث بعد عام أو عامين أو خمسة أعوام؟

إذا ارتفع سعر الرغيف مستقبلًا إلى جنيهين أو ثلاثة جنيهات نتيجة التضخم وارتفاع تكاليف الإنتاج، بينما ظلت قيمة الدعم النقدي ثابتة، فإن المواطن المستحق سيكون هو الخاسر الوحيد. وهنا يتحول الدعم تدريجيًا من أداة للحماية الاجتماعية إلى قيمة تتآكل عامًا بعد عام حتى تفقد جزءًا كبيرًا من قدرتها الشرائية.

لذلك فإن نجاح أي منظومة دعم نقدي يتطلب نصًا واضحًا وصريحًا يربط قيمة الدعم بمعدلات التضخم والتغيرات الفعلية في الأسعار، بحيث تتم مراجعة القيمة بشكل دوري وتلقائي يضمن الحفاظ على القوة الشرائية للمستحقين، لا أن يظل الرقم ثابتًا بينما تتغير الأسعار من حوله.

ولعل أحد أهم الضمانات المطلوبة لنجاح أي منظومة دعم نقدي هو إنشاء ما يمكن تسميته بـ “مؤشر حماية الدعم”، بحيث ترتبط قيمة الدعم تلقائيًا بمعدلات التضخم والتغيرات الفعلية في أسعار السلع الأساسية، ويتم تحديثها بشكل دوري كل ستة أشهر أو سنويًا وفق مؤشرات رسمية معلنة.

فلا يعقل أن ترتفع أسعار الخبز أو السلع الغذائية أو الخدمات الأساسية بنسبة 20% أو 30% بينما تظل قيمة الدعم ثابتة لسنوات. في هذه الحالة لا يكون الدعم قد استمر، بل يكون قد تآكل فعليًا وفقد جزءًا كبيرًا من قدرته على حماية الأسر الأكثر احتياجًا.

كما أن من الضروري أن تتضمن المنظومة الجديدة آلية تظلم ومراجعة دورية وشفافة لمعايير الاستحقاق، لأن الظروف الاقتصادية للأسر تتغير باستمرار، ولأن بعض المؤشرات المستخدمة حاليًا لم تعد تعكس الواقع الحقيقي بعد موجات التضخم المتتالية وارتفاع تكاليف المعيشة.

وهنا تبرز قضية أخرى لا تقل أهمية عن قيمة الدعم نفسها، وهي معايير الاستحقاق والاستبعاد من المنظومة. فمن غير المنطقي أن يتم استبعاد مواطن من الدعم بسبب ارتفاع فاتورة الكهرباء، بينما الدولة نفسها قامت خلال السنوات الماضية برفع أسعار الكهرباء عدة مرات. وكذلك الحال بالنسبة للعديد من المؤشرات والمعايير التي وُضعت في ظروف اقتصادية مختلفة تمامًا عن الواقع الحالي.

فإذا كانت الأسعار قد تغيرت، وتكاليف المعيشة قد تضاعفت، وحدود الدخل والإنفاق قد تبدلت، فمن الطبيعي أن تتم مراجعة كل محددات الاستحقاق بصورة دورية حتى لا نجد أسرًا في أشد الاحتياج وقد خرجت من المنظومة بسبب معايير لم تعد تعكس أوضاعها الحقيقية.

المطلوب ليس فقط تنقية قواعد البيانات أو تقليل أعداد المستفيدين، بل بناء منظومة عادلة تستطيع التمييز بين غير المستحق ومن تدهورت ظروفه المعيشية وأصبح بحاجة فعلية للدعم.

كما أن نجاح المنظومة لن يقاس بحجم الوفر المالي الذي تحققه الدولة، بل بقدرتها على الحفاظ على مستوى معيشة الفئات المستحقة وعدم تركها فريسة لتآكل الدخول وارتفاع الأسعار.

فالدعم في جوهره ليس بندًا محاسبيًا في الموازنة العامة، بل عقدًا اجتماعيًا بين الدولة ومواطنيها الأكثر احتياجًا، يضمن لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة والأمان المعيشي.

لذلك فإن أي إصلاح حقيقي لمنظومة الدعم يجب أن يقوم على ثلاثة مبادئ واضحة:

– وصول الدعم إلى مستحقيه الفعليين.

– منع الهدر والتسرب والفساد.

– الحفاظ على القيمة الحقيقية للدعم وربطها بالتضخم والأسعار.

أما تحقيق الهدفين الأول والثاني مع إهمال الثالث، فهو لا يمثل إصلاحًا كاملًا، بل نقلًا تدريجيًا لأعباء التضخم إلى كاهل المواطن البسيط.

لسنا ضد منع الهدر، ولسنا ضد تطوير منظومة الدعم، ولسنا ضد وصول الدعم لمستحقيه الحقيقيين. نحن فقط نرفض أن يفقد المستحق حقه مع مرور الوقت، أو أن يتحمل وحده تكلفة التضخم وارتفاع الأسعار.

فالدعم ليس منحة من أحد، وليس تفضلًا على المواطنين، بل حق اجتماعي للمحتاج تكفله الدولة وتحميه.

ولسنا في معركة بين الدعم والإصلاح الاقتصادي، بل في معركة من أجل إصلاح اقتصادي عادل لا يدفع ثمنه الفقراء وحدهم.

#حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة