الرئيسيةمقالات العدلسعاد محمدسعاد محمد تكتب: الزواج القيرواني

سعاد محمد تكتب: الزواج القيرواني

في القرن الثامن الميلادي، وفي عز العصر الأموي، هرب أبو جعفر المنصور – قبل أن يصبح خليفة للعباسيين – من بطش الأمويين إلى مدينة القيروان، فحل ضيفًا على منزل منصور الحميري، واشتعلت شرارة الحب بينه وبين ابنته أروى القيروانية.

فجمع ما فيه من شجاعة وطلب من أبيها الزواج منها، فطلب الأب فرصة للتفكير، فهذا رجل هارب، إلا أنه ذو حسب ونسب. وبعد التفكير قرر الأب الموافقة على هذه الزيجة بشرط ألا يتزوج عليها غيرها، وألا يتخذ جواري إلا بإذنها ورضاها، وإذا أخل الزوج بهذا الشرط أصبحت العصمة في يد الزوجة، تطلق نفسها أو ضرتها، كما كان يسري العرف في مدينة القيروان آنذاك.

وافق المنصور، إلا أنه بعد صعوده إلى عرش الخلافة العباسية في بغداد، جمع الفقهاء يستفتيهم لإيجاد أي طريقة يبطل بها هذا الشرط، إلا أن الرد جاء بأن الالتزام بالعقد ملزم لأطرافه، واستندوا إلى فكرة الشروط في النكاح، التي ترى أن الشروط التي تعود بالنفع على المرأة يجب الوفاء بها، وإلا كان لها حق الفسخ.

ولم يستطع الخليفة العباسي، بما له من قوة ونفوذ، أن يخل بهذا العقد لمدة أحد عشر عامًا، حتى وافتها المنية.

وظل العقد القيرواني تقليدًا متبعًا في تونس على مر القرون، حتى صدر قانون الأحوال الشخصية عام 1956.

وها نحن بعد سنين طويلة نناقش قانون الأحوال الشخصية، واضعين بنودًا اجتمع البعض على رفضها، واجتمع آخرون على قبولها، وبين القبول والرفض تكمن المشكلة.

إن أصل الزواج في الإسلام هو الإشهار، ففي أيام الرسول ﷺ لم يكن هناك عقد بالشكل الحالي، بل كان يقوم على الرضا والقبول والإشهار. ومع اتساع رقعة الدولة الإسلامية أصبحت الحاجة قائمة للعقود لإثبات الزواج.

وباعتبار أن العقد شريعة المتعاقدين، فإن قبول الأفراد به يلزمهم بما ورد فيه، ما دام لا يخالف الشرع.

فالخليفة المنصور كان بإمكانه أن يطلقها ويعطيها حقوقها الشرعية، إلا أنه اختار الوفاء بالعقد حتى لا يقال عنه إنه مخالف للعقود.

ويمكن للطرفين كتابة الشروط التي يتفقان عليها قبل الزواج، وتصبح ملزمة لهما.

وقبل العصر الإسلامي بآلاف السنين، وعلى أرضنا الحبيبة، مصر العظيمة، لم يكن الزواج رابطة دينية فحسب، بل كان عقدًا مدنيًا يركز بشكل أساسي على حماية حقوق الزوجة والأبناء.

فوضعت شروط لسن الزواج، ولقدرة الزوج على الإنفاق، ولقبول الأهل والفتاة. وكان عقد الزواج يلزم الزوج بدفع المهر، وشراء مقتنيات للعروس، وخاتم من الذهب كشبكة، أو ما عرف بـ«حلقة البعث».

وكان يلتزم بالإنفاق عليها حتى في حال الانفصال، ويدون بدقة كل ما اشترته الزوجة من أموالها.

وفي حال الطلاق كانت المرأة تتمتع بحقوق واسعة، فكان لها ثلث ما اكتسبه الزوج أثناء الزواج، وإذا كان الزوج هو الراغب في الانفصال وجب عليه دفع تعويض قد يصل إلى ضعف المهر أو أكثر في بعض العصور، كما كان الطلاق يجب أن يكتب، ولم يكن يعترف بالطلاق الشفهي.

إن فكرة الشروط في العقود فكرة قديمة، والعقد شريعة المتعاقدين، يقر كل منهما بالموافقة الرضائية على ما يتضمنه من حقوق والتزامات.

وعلى ذكر الحقوق، فكما للمرأة حق النفقة، فللأب أيضًا حق رؤية أولاده، شرط ثبوت أهلية كل من الطرفين. فما نراه اليوم من مظاهر الانتقام بين الأبوين على حساب الأبناء يستحق التدخل لمصلحة الطفل.

فهناك أمهات غير سويات، وآباء غير سويين، والحوادث اليومية خير دليل على ذلك.

وفي بعض الدول الغربية، عند ثبوت إساءة معاملة الطفل، تتدخل الدولة لحمايته من خلال إيداعه دور الرعاية أو الأسر البديلة، حتى تثبت أهلية أسرته لتربيته.

فليس كل الأشخاص مؤهلين ليصبحوا آباء أو أمهات، وقد يكون نتاج عدم أهليتهم ما نراه من خلل اجتماعي.

فالأسرة هي نواة المجتمع، فإذا فسدت فسد المجتمع كله، وإذا أردت إفساد دولة فابدأ بهدم أسرها.

وعلى الدولة أن تتأكد من مدى جاهزية الطرفين للزواج صحيًا وعقليًا ونفسيًا، فقيادة السيارة تتطلب اختبارًا للتأكد من صلاحية السائق، فماذا عن قيادة الحياة وتحمل مسؤولياتها؟

إن الله سبحانه وتعالى لما أحل الزواج، جعل الأسرة فطرة إنسانية وسببًا لعمارة الأرض، ولما أحل الطلاق جعل له حقوقًا وواجبات يلتزم بها الطرفان.

ودور القانون أن ينظم هذه العلاقة بما يضمن مصلحة جميع الأطراف، مع مراعاة اختلاف الحالات من حالة إلى أخرى، فالحكم المطلق لا يحقق العدالة دائمًا، وما يكون عدلًا في حالة قد يكون ظلمًا في حالة أخرى. #حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل#عدلًا

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة