الرئيسيةمقالات العدلعماد الدين جاد الله يكتب: البنك الكسول والدولة المدينة كيف يتحول التمويل...

عماد الدين جاد الله يكتب: البنك الكسول والدولة المدينة كيف يتحول التمويل العام من محرك للتنمية إلى مقبرة للإنتاج

في علم الاقتصاد السياسي لا توجد مؤسسة أكثر خطورة على المدى الطويل من البنك الكسول ولا سياسة أكثر إغراء للحكومات من الاستدانة السهلة وعندما يلتقي الاثنان في منظومة واحدة تتشكل علاقة تبدو مستقرة في ظاهرها لكنها تحمل في أعماقها بذور التراجع الاقتصادي وفقدان الحيوية الإنتاجية

البنك الكسول هو ذلك البنك الذي يكتشف أن إقراض الدولة أكثر ربحية وأقل مخاطرة من تمويل المصانع والمزارع والشركات الناشئة والمشروعات الإنتاجية فهو لا يحتاج إلى دراسة جدوى معقدة ولا إلى تحمل مخاطر السوق أو التقلبات الاقتصادية يكفي أن يشتري أدوات الدين الحكومية ليحصل على عائد مضمون ومدعوم بقدرة الدولة على الجباية والاقتراض

في هذه اللحظة يبدأ التحول الخطير داخل الاقتصاد فبدلا من أن يتحول القطاع المصرفي إلى وسيط بين المدخرات والاستثمار المنتج يصبح وسيطا بين المدخرات والديون الحكومية وهنا يفقد النظام المالي وظيفته الحضارية الأساسية باعتباره محركا لتكوين رأس المال

تصف الأدبيات الاقتصادية هذه الظاهرة بمصطلح مزاحمة الاستثمار الخاص فكل جنيه يتجه إلى تمويل عجز الموازنة هو جنيه أقل متاحا للمصنع أو المزرعة أو شركة التكنولوجيا أو المشروع الصغير ومع مرور الوقت ترتفع تكلفة التمويل على المنتجين بينما تتراجع شهية البنوك لتحمل المخاطر المرتبطة بالاقتصاد الحقيقي

لكن الخسارة لا تقف عند حدود الاستثمار فالإنتاجية نفسها تبدأ في التآكل إذ إن النمو الحقيقي لا يأتي من تداول الأموال داخل النظام المالي بل من خلق قيمة مضافة جديدة وكل اقتصاد يعتمد بصورة مفرطة على الدين العام يكتشف تدريجيا أن معدل تراكم المعرفة والخبرة الصناعية والتكنولوجية يتباطأ لأن رأس المال لم يعد يتدفق إلى القطاعات القادرة على الابتكار

من منظور المالية العامة تبدو الاستدانة أحيانا أداة عقلانية فالدولة تحتاج إلى تمويل البنية التحتية والدفاع والتعليم والصحة غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول الديون من أداة استثنائية إلى نمط دائم للحكم الاقتصادي عندها لا يصبح الاقتراض وسيلة لتمويل التنمية بل يصبح التنمية نفسها رهينة لخدمة الدين

ومع تضخم الدين العام ينشأ ما يسميه علماء الاقتصاد أثر كرة الثلج حيث تبدأ الفوائد في إنتاج فوائد جديدة وتتحول الموازنات الحكومية تدريجيا من موازنات تنموية إلى موازنات مكرسة لخدمة الدائنين وفي هذه المرحلة لا تنافس الدولة القطاع الخاص على رأس المال فقط بل تنافس الأجيال القادمة على مواردها المستقبلية

الأخطر من ذلك أن العلاقة بين الحكومة والبنوك تخلق تحالفا غير معلن ضد الإصلاح الاقتصادي الحقيقي فالحكومة تجد التمويل بسهولة دون الحاجة إلى إصلاحات هيكلية مؤلمة والبنوك تحقق أرباحا مريحة دون الحاجة إلى تطوير قدراتها الائتمانية أو تحمل مخاطر الاستثمار الإنتاجي وهكذا يتكون توازن سياسي واقتصادي مستقر ظاهريا لكنه معاد للنمو طويل الأجل

علم الاجتماع الاقتصادي يقدم تفسيرا أعمق لهذه الظاهرة فالمجتمعات التي تهيمن عليها ثقافة الدين العام تنتقل تدريجيا من عقلية الإنتاج إلى عقلية الريع ويصبح النجاح الاقتصادي مرتبطا بالقرب من التدفقات المالية الحكومية أكثر من ارتباطه بالابتكار والكفاءة وهنا يتراجع تقدير المجتمع لرائد الأعمال والمهندس والمخترع مقابل صعود المضارب والوسيط المالي

أما في علم السياسة فإن التوسع المزمن في الاقتراض يمنح الحكومات قدرة على تأجيل الأزمات لا حلها فالديون تسمح بتمويل الحاضر على حساب المستقبل ولذلك غالبا ما تفضل النخب السياسية الاقتراض لأنه يوفر مكاسب سياسية فورية بينما يتم ترحيل التكلفة إلى حكومات وأجيال لاحقة

لقد شهد التاريخ الاقتصادي عشرات الأمثلة على اقتصادات تحولت فيها البنوك إلى ممولين للدولة أكثر من كونها ممولين للتنمية وكانت النتيجة واحدة تقريبا نمو ضعيف في الإنتاجية وتراجع في القدرة التنافسية وارتفاع في المديونية وانكماش تدريجي في روح المبادرة الاقتصادية

الاقتصادات العظيمة لم تبنها الديون بل بناها الاستثمار المنتج ولم تصنعها البنوك التي تبحث عن الربح السهل بل البنوك التي مولت الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والابتكار فالثروة الحقيقية لا تخرج من دفاتر الدين بل من المصانع والمختبرات والموانئ والحقول والعقول البشرية

ولهذا فإن السؤال الاستراتيجي الذي يحدد مصير الأمم ليس حجم ما تستطيع الدولة اقتراضه بل حجم ما يستطيع اقتصادها إنتاجه فالدين قد يشتري الوقت لكنه لا يصنع الثروة أما الإنتاجية فهي وحدها القادرة على تحويل الزمن إلى ازدهار مستدام

وعندما تصبح الدولة أكبر مقترض والبنك أكبر دائن والمواطن أكبر ممول غير مباشر لهذه العلاقة فإن الاقتصاد يدخل منطقة خطرة يزداد فيها النشاط المالي بينما تتراجع القدرة الإنتاجية وهنا تبدو الأرقام مستقرة لكن القوة الاقتصادية الحقيقية تكون قد بدأت في التآكل من الداخل

إن الحضارات لا تنهار حين تعجز عن الاقتراض بل حين تفقد قدرتها على الإنتاج

#حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة