الرئيسيةمقالات العدلهاجر محمد موسى تكتب: فجوة الموارد المحلية وفخ الهيئات الاقتصادية

هاجر محمد موسى تكتب: فجوة الموارد المحلية وفخ الهيئات الاقتصادية

تتصدر مشكلة تمويل عجز الهيئات الاقتصادية قائمة التحديات التي تثقل كاهل موازنة الدولة المصرية، فبدلاً من سد فجوة الموارد أو تخفيف الدين أو توفير النقد الأجنبي، تحولت إلى عبء مباشر. فالهيئة المصرية العامة للبترول وحدها تلتهم ضمانات سيادية خطيرة، والهيئات تستحوذ على ثلاثة أرباع الائتمان الدولاري في البنوك المحلية، فتقترض الحكومة بالعملة الصعبة لتغطية خسائر بالعملة المحلية وتلتزم بفوائد بالصعبة.

لا تظهر هذه الأعباء بوضوح في الموازنة بل تعالج في “الدعم غير المباشر”. ففي موازنة 2024/2025، خصصت وزارة المالية 154.5 مليار جنيه لدعم المنتجات البترولية، مقابل 119 ملياراً في 2023/2024، و75 ملياراً في 2025/2026. أما في موازنة 2026/2027، فتشير التقديرات الأولية إلى ارتفاع مخصصات دعم المنتجات البترولية إلى نحو 85 مليار جنيه، في ظل استمرار تقلبات الأسعار العالمية وتراجع سعر الصرف. أما دعم الكهرباء فخصصت له 75 مليار جنيه في 2024/2025 و2025/2026، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 80 مليار جنيه في 2026/2027 نتيجة زيادة الطلب وتكاليف التشغيل. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن دعم الوقود قد يصل إلى 331 ملياراً في 2024/2025، أي نحو 214% من تقديرات الحكومة، وفي عام 2026 تقدر الزيادة التراكمية للدعم غير المباشر بنحو 390 مليار جنيه إذا استمرت السياسات نفسها.

ارتفع إجمالي الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية من 529.7 مليار جنيه في 2023/2024 إلى 635.9 ملياراً في 2024/2025 بزيادة 20%. وفي موازنة 2026/2027، يقدر إجمالي الدعم والمنح بنحو 720 مليار جنيه، بزيادة 13.2% عن العام السابق. وبلغت فوائد الديون 62% من إجمالي إيرادات الدولة، وهي الأعلى بين الأسواق الناشئة حيث المتوسط 15%، وفي عام 2026 ترتفع نسبة فوائد الديون إلى 64% من الإيرادات بسبب ارتفاع العائد على أدوات الدين المحلية.

سجل الدين العام 95.9% من الناتج المحلي في 2023، ثم تراجع إلى 90.9% في 2024، وإلى 86.8% في 2025. ويتوقع صندوق النقد أن يواصل الانخفاض إلى 87% في 2025/2026، ثم 85%، 82.4%، 79.5%، 76.3%، 72.5% حتى 2029/2030. وفي عام 2026، من المتوقع أن يبلغ الدين العام 84.5% من الناتج المحلي، بفارق طفيف عن التوقعات السابقة نتيجة تباطؤ وتيرة الإصلاح. أما الدين الخارجي فبلغ نحو 156 مليار دولار في 2024 (42% من الناتج)، وبلغت خدمته 49% من الصادرات، وفي نهاية 2026 تشير البيانات الأولية إلى ارتفاع الدين الخارجي إلى 163 مليار دولار، مع زيادة خدمته إلى 52% من الصادرات.

سجل عجز الموازنة 6% من الناتج في 2023، ثم تحسن إلى 3.6% في 2024، ثم ارتفع إلى 7.5% في 2025. وفي عام 2026، يُقدر عجز الموازنة بنحو 6.8% من الناتج المحلي، نتيجة استمرار فجوة التمويل المحلي والدولي. كما بلغ عجز الحساب الجاري 1.2% في 2023، ثم 5.4% في 2024، ثم 4% في 2025، ومن المتوقع أن يسجل في 2026 نحو 4.5% مع تراجع تحويلات المصريين بالخارج وتباطؤ نمو الصادرات.

يتشابه ذلك مع مفهوم “قيود الميزانية اللينة” لـ يانوش كورناي: الهيئات تعمل في ظل تفاهم ضمني بتدخل الخزانة لتغطية أي عجز، مما يقود الحوافز للإدارة الرشيدة والكفاءة. فلماذا تخفض الكهرباء الفاقد أو تحصّل البترول مستحقاتها بالدولار ما دام البنك المركزي سيوفر التمويل؟ ورغم أن الحكومة وفرت نحو 35 مليار جنيه من دعم الوقود بين يوليو 2024 وأبريل 2025 برفع الأسعار، فإن هذا التوفير يعكس تضخم الفجوة بين التكلفة والسعر، وفي النصف الأول من 2026 ارتفعت الفجوة من جديد نتيجة تدهور سعر الصرف.

النتيجة ليست مجرد عجز، بل إعادة إنتاج يومية لفجوة التمويل الخارجي، حيث تستحوذ الهيئات على حصة الأسد من الائتمان الدولاري وتزاحم القطاع الخاص، وهو ما تفاقم في عام 2026 حيث وصلت حصة الهيئات إلى 78% من إجمالي الائتمان الدولاري.

لذا يجب إعادة هيكلة العلاقة: لا يمكن للهيئات أن تصلح مسارها ما دامت الخزانة ضامناً نهائياً. الحل بجعل التمويل مشروطاً بأداء محدد، وليس تلقائياً، مع عقد أداء يتضمن خفض الفاقد ورفع التحصيل وتحقيق فائض تشغيلي.

الاقتراح الثاني: الفصل بين دعم الأسعار ودعم الدخل، بتحويلات نقدية مباشرة للأسر الأكثر احتياجاً فقط، مع تحصيل التكلفة الحقيقية تدريجياً. خصصت الموازنة للدعم النقدي (تكافل وكرامة والمعاشات) 40 مليار جنيه في 2024/2025 مقابل 31 ملياراً في 2023/2024، وفي موازنة 2026/2027 خصصت الحكومة 48 مليار جنيه للدعم النقدي، مع زيادة عدد المستفيدين إلى 5.2 مليون أسرة.

أما بخصوص فجوة الصرف، فيُطلَب إعادة توجيه الائتمان الدولاري: الهيئات المصدرة كالبترول والسياحة وقناة السويس تحتفظ بنسبة من فائضها للاستثمار بشرط تحويل الباقي للمركزي، والمستوردة كالكهرباء والنقل تخضع لسقف تمويلي لا يتجاوز قدرتها على توليد العملة الصعبة.

لو نجحت الهيئات في الاضطلاع بدورها كمساهم في تمويل الموازنة بدلاً من كونها عبئاً، لتحولت مبالغ دعم الطاقة (154.5 مليار جنيه في 2024/2025 ثم 75 ملياراً في 2025/2026 ثم 85 ملياراً مقدرة في 2026/2027) إلى فائض لخفض الدين أو تمويل مشروعات تنموية. ولتحول العجز الجاري (5.4% في 2024 و 4.5% المتوقعة في 2026) إلى فائض، ولم يضطر البنك المركزي للاقتراض بالعملة الصعبة، ولانخفضت أسعار الفائدة لأن المستثمرين يدركون أن الموازنة مثقلة بأعباء غير معلنة.

الأثر الأعمق: تغير هيكل الحوافز من “إدارة العجز” إلى “إدارة الكفاءة”، فيُحارب الفاقد الفني ويصبح تحصيل المستحقات أولوية. وكل جنيه يتم توفيره يعود استثماراً أو تخفيضاً للديون. فلو نجحت الهيئات، لكانت مصر في عام 2026 تنعم بفائض مالي يخدم المواطنين مباشرة، ويتسع معه مجال المنافسة العادلة، وتنخفض المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة