من العجيب أن نرى “وطنيين” يتجاوزون دور المؤسسات الوطنية المصرية، ويحجرون على حق الشعب في تطبيق دستور استُفتي عليه ووافق عليه، بداعي أن “الظروف لا تسمح”. وكأن جهود الدولة التي حمدوها وشكروها ذهبت أدراج الرياح. أو، وهو ما لا يمكن قبوله، أن الرسالة المبطنة غير المقصودة هي أن الجهود السابقة لم تهدف إلا إلى تثبيت حكم السيد الرئيس لا الدولة.
تلك الحجة، إن صحّت، تُدين الدولة لا القرار. فدولة لا تتحمل تسليم السلطة في تاريخ دستوري معلن هي دولة بنت استقرارها على شخص لا على مؤسسات.
والتجارب القريبة لا تقول إن الرحيل هو الخطر. تقول إن الخطر في دولة لم تُعدّ نفسها له.
في نيجيريا عام 2006 طُرح السؤال ذاته: هل نغيّر القاعدة من أجل شخص؟ ولم يُحسم بخطاب رئاسي، بل بمجلس شيوخ أسقط مشروع التعديل بتصويت صوتي، وقبل الرئيس نفسه القرار. اعترف المحللون يومها بأن الغموض حول الخليفة زاد، لكن الثقة في النظام زادت كذلك. دولة قبلت ألا تعرف اسم رئيسها القادم، لأنها تثق بالقاعدة أكثر من ثقتها بأي شخص.
وفي السنغال عام 2024 جاءت حجة “الظروف” بحذافيرها: برر الرئيس تأجيل الانتخابات بخلاف حول قائمة المرشحين واتهامات بالفساد داخل المجلس الدستوري. فأبطل المجلس التأجيل وأعاد التأكيد على أن مدة الرئاسة ثابتة. واللافت أن قرار التأجيل هو الذي أدخل البلاد في أسوأ أزمة منذ عقود وأشعل احتجاجات دامية، لا موعد الانتخابات. وبعد التصويت اعترف مرشح الائتلاف الحاكم بالهزيمة. الظرف الاستثنائي لم يهدد الدولة، الذي هددها هو استخدامه ذريعة.
وفي المكسيك حقق بورفيريو دياز ما يحمده أنصار “الظروف”: أنهى عدم الاستقرار وحقق نمواً بعد عقود ركود. لكنه ربط ذلك كله بشخصه، فأعلن عام 1908 أنه لن يترشح، ثم أُعيد انتخابه عام 1910 بعد حبس آلاف المعارضين، فاندلعت الثورة. وفي بوركينا فاسو انتهى الأمر في أيام: احتجاجات تجاوزت 200 ألف شخص، واستقالة الرئيس، وحل الجيش للحكومة والبرلمان. حين يُنسب النجاح لشخص، يصبح رحيله أو بقاؤه معركة تُحسم بالقوة لا بالقاعدة.
ولا نقول إن طول الحكم يُسقط الدول. سنغافورة سلّمت السلطة عام 1990 لمن اختاره لي كوان يو بعد أكثر من ثلاثة عقود في الحكم، وكان قد أعلن قبلها بسنوات رغبته في التسليم. الفارق بين الحالتين ليس عدد السنين، بل أن الرحيل كان مخططاً له.
لهذا فإن الموعد ليس المشكلة. المشكلة في ألا تكون الدولة مستعدة له. وإعلان 2030 يفتح الباب، أما الذي يُدخل منه فهو الآليات: جدول زمني معلن، وحاجز دستوري أمام التعديل، وجهة مستقلة تحكم، وإعداد فعلي لمن سيأتي بعد.
لا يُقاس استقرار الدولة بمن يجلس على المقعد، بل بما يحدث حين يغادره.


