​في قلب الصمت المهيب لصحراء أسوان، وتحت لهيب شمس لا ترحم، تتعالى أصوات المعاول، ليس لبناء مصنع أو تشييد مدينة جديدة، بل لنبش الصخور بحثًا عن بريق أمل زائف في “جبال الذهب”. لم يكن التنقيب العشوائي خيارًا ترفيهيًا أو مغامرة عابرة لأبناء أسوان والمحافظات المجاورة، بل كان المفر الوحيد والسيناريو الإجباري الذي سطرته أزمة البطالة الخانقة التي تضرب جذورها في قلب الصعيد.

​عندما تغلق المصانع أبوابها.. تفتح الجبال أحضانها

​تعيش محافظة أسوان، رغم ثرائها بالموارد الطبيعية، والمزارات السياحية، والمشاريع القومية، فجوة تنموية حادة. فرص العمل التقليدية باتت شبه منعدمة، والمصانع القليلة المتواجدة لم تعد تستوعب طاقات الشباب المتجددة، فضلاً عن تراجع المواسم السياحية في فترات عدة.

​هذا الركود الاقتصادي حوّل طموح آلاف الخريجين والشباب من البحث عن وظيفة مستقرة تضمن لهم حياة كريمة، إلى الارتماء في أحضان المجهول. هجروا قراهم وبيوتهم، وتوجهوا صوب المناطق الجبلية الوعرة في “العلاقى” و”مرسى علم” وحواف الصحراء الشرقية، حيث تحولت تجارة وتعدين الذهب العشوائي (الدهّابة) إلى مغناطيس يجذب كل من ضاقت به سبل العيش.

​رحلة الموت من أجل الرزق

​العمل في جبال الذهب ليس نزهة؛ بل هو مقايضة صريحة بين الحياة والموت. يواجه هؤلاء الشباب مخاطر انهيار المغارات الجبلية، والتعرض لعضات العقارب والثعابين، بالإضافة إلى خطر العطش والتيه في دروب الصحراء القاحلة. وكل هذا تحت وطأة مطاردات مستمرة وظروف معيشية آدمية منعدمة.

​يقول أحد الشباب العائدين من هناك: “لم نذهب إلى الجبل حبًا في الثراء السريع، بل هربًا من نظرات العجز في عيون أهالينا. الجبل مرعب، لكن الجلوس على المقاهي بلا عمل أو قدرة على فتح بيت هو الموت الحقيقي”.

​صرخة في وجه المسؤولين: أين الحلول؟

​أمام هذا المشهد القاسي، تتعالى صرخات الغضب والاستياء من الشارع الأسواني اتجاه السياسات المحلية والمسؤولين الذين تعاقبوا على المحافظة دون تقديم حلول جذرية لأزمة البطالة. إن غياب الرؤية الحقيقية للاستثمار التنموي، والتباطؤ في إنشاء مناطق صناعية تستوعب عمالة الصعيد، وترك الشباب فريسة لشبكات التنقيب العشوائي، يضع علامات استفهام كبرى حول دور الأجهزة التنفيذية.

​إن لسان حال الأهالي اليوم، وهم يودعون بين الحين والآخر ضحايا جثامين “شهداء لقمة العيش” من بطن الجبل، يحمل تفويضًا بالشكوى إلى الله، وحسرة على طاقات شابة تضيع هباءً تحت الصخور بدلاً من أن تبني المصانع والشركات.

​النداء الأخير

​إن مواجهة ظاهرة التنقيب العشوائي عن الذهب لن تأتي بالملاحقات الأمنية وحدها، بل بقطع دابر السبب الرئيسي وراءها: البطالة.

​تحتاج أسوان اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى ثورة تنموية حقيقية، واستغلال أمثل لخيراتها وموقعها الاستراتيجي، وفتح قنوات استثمارية توفر فرص عمل شريفة وآمنة لهؤلاء الشباب. فهل يستجيب المسؤولون قبل أن تبتلع الجبال مزيدًا من أرواح أبنائنا؟ #حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل