الرئيسيةمقالات العدلماهيتاب عبدالسلامماهيتاب عبدالسلام تكتب: قصور الثقافة وبناء وعي الأجيال

ماهيتاب عبدالسلام تكتب: قصور الثقافة وبناء وعي الأجيال

تنتشر قصور ودور الثقافة في مختلف محافظات مصر، وقد أُنشئت في الأساس لتكون منارات للتنوير وبناء الوعي، ومساحات مفتوحة للتعلم والحوار وتشكيل الوجدان. إلا أن كثيرًا من هذه الدور تحوّل مع الوقت إلى أماكن شبه مهجورة، لا يعرفها الشباب، ولا يشعر الأطفال بأنها جزء من عالمهم، رغم ما تملكه من إمكانات حقيقية قادرة على الإسهام في النهوض بالمجتمع

المشكلة لا تكمن في غياب البنية أو المكان، بل في غياب الرؤية والتفعيل. فدار الثقافة لا ينبغي أن تكون مجرد مبنى تُقام فيه أنشطة تقليدية أو مناسبات موسمية، بل مساحة حيّة يشعر فيها الإنسان، خاصة الطفل والشاب، أنه مرحّب به، وأن صوته مسموع، وأن ما يُقدَّم له مرتبط بحياته اليومية وتساؤلاته الحقيقية. الثقافة، في جوهرها، ليست تلقينًا للمعلومات، بل بناء للوعي، وتوسيعًا للأفق، وتشكيلًا للعقل القادر على الفهم والاختيار

إعادة إحياء دور الثقافة تبدأ من تغيير فلسفة العمل داخلها؛ من التلقين إلى المشاركة، ومن الحضور الشكلي إلى التأثير الحقيقي. فعندما تتحول هذه الدور إلى مراكز مجتمعية مفتوحة، وتتعاون مع المدارس والجامعات والمبادرات الشبابية ومنظمات المجتمع المدني، تصبح جزءًا من نسيج الحياة اليومية، لا مؤسسة معزولة عن الشارع والناس

لجذب الشباب إلى دور الثقافة، لا بد أولًا من تغيير طريقة الخطاب، بحيث يشعر الشاب أن هذه المساحات تتحدث إليه لا عنه. الشباب لا يبحث فقط عن المعلومة، بل عن الانتماء والتقدير ومساحة حرة للتعبير عن أفكاره وتساؤلاته. وعندما تُتاح له فرصة المشاركة في حوارات مفتوحة تناقش قضاياه الحقيقية، ويتفاعل مع محتوى ثقافي يربط بين الماضي والحاضر، يبدأ في رؤية دار الثقافة كمكان يشبهه ويعبّر عنه، لا كمؤسسة بعيدة أو مفروضة عليه.

أما الأطفال، فجذبهم يبدأ من التجربة لا الشرح؛ من الحكي، واللعب الهادف، والاكتشاف. حين تتحول دار الثقافة إلى مساحة يشعر فيها الطفل بالدهشة والفضول، من خلال القصص، والأنشطة التفاعلية، والاقتراب البسيط من التاريخ والهوية، تصبح الثقافة جزءًا من عالمه اليومي، لا مفهومًا مجردًا

ويمكن لدور الثقافة أن تستعيد حضورها بين الشباب من خلال أنشطة حيوية ومتنوعة، مثل نوادي القراءة وحكي القصص التي تزرع حب المعرفة منذ الصغر، وورش التفكير النقدي والحوار التي تمنح الشباب القدرة على التعبير والفهم، إلى جانب تقديم التاريخ والعلوم الدينية بأسلوب مبسّط ومتوازن، يربط المعرفة بالقيم والواقع. كما تتيح اللقاءات مع نماذج حقيقية وملهمة من المجتمع فرصة لإعادة تعريف مفهوم القدوة، بعيدًا عن الصور الزائفة التي تفرضها وسائل التواصل الاجتماعي. ومن خلال مسابقات ثقافية، وورش كتابة وفكر وفلسفة مبسطة، وأنشطة تربط الثقافة بقضايا العصر، تتحول دار الثقافة إلى مكان جذب حقيقي، ومساحة يشعر فيها الشباب أن الثقافة تخصهم وتمثلهم

وفي هذا السياق، تبرز أهمية دور الثقافة كبديل واعٍ لما يُروَّج له على وسائل التواصل الاجتماعي من نماذج هشة لا تعبّر عن هوية وطنية أو عمق ثقافي حقيقي. فقد أصبح كثير من الشباب، في ظل الفراغ المعرفي وغياب القدوة، يتخذون من شخصيات طارئة وقدرات وهمية نموذجًا يُحتذى به، لمجرد الظهور أو الشهرة السريعة، دون قيمة فكرية أو إنسانية حقيقية. هذه النماذج، التي تُقدَّم في صورة أبطال خياليين أو مؤثرين بلا مضمون، تخلق وعيًا زائفًا، وتُعيد تعريف النجاح على أسس سطحية بعيدة عن العمل والمعرفة والانتماء

هنا تبرز مسؤولية قصور ودور الثقافة في تقديم البديل الواعي، من خلال إعادة الاعتبار للقدوة الحقيقية؛ قدوة الإنسان الذي يعرف تاريخه، ويفهم علومه الدينية والتاريخية والفكرية بشكل متوازن، ويُدرك أن القدرة الحقيقية لا تُقاس بعدد المتابعين، بل بعمق التأثير. وعندما يلتقي الشباب بنماذج وطنية حقيقية أسهمت في بناء المجتمع، ويتعرفون على تاريخهم وتراثهم وفكرهم الإنساني، يبدأ وعيهم في التحرر من وهم البطولة الزائفة إلى إدراك الذات والقدرة والمسؤولية

إن تفعيل دور الثقافة هو استثمار مباشر في وعي الإنسان، والمجتمع الواعي هو مجتمع أكثر تماسكًا، أقل عرضة للتطرف، وأكثر قدرة على الحوار والبناء. فالثقافة تصنع عقلًا ناقدًا، وتزرع الانتماء، وتُعيد تشكيل العلاقة بين الفرد ومجتمعه على أسس من الفهم والاحترام والمسؤولية

وفي الختام، إذا أردنا أن نُنقذ وعي الأجيال القادمة من الفراغ والسطحية، فعلينا أن نُعيد الحياة إلى قصور ودور الثقافة، لا كمبانٍ صامتة، بل كمساحات نابضة بالفكر، لأن الأمم لا تُبنى بنجوم عابرين على الشاشات، بل بعقول مستنيرة تعرف هويتها، وتؤمن بقيمتها، وتملك الشجاعة لصناعة مستقبلها

#حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة