الرئيسيةمقالات العدلروان صُبْحروان صبح تكتب: المواطن لا يريد هذه الزيادة فقط.. يريد أن تتوقف...

روان صبح تكتب: المواطن لا يريد هذه الزيادة فقط.. يريد أن تتوقف الحكومة عن استنزاف جيبه

مرة جديدة، تعلن الحكومة زيادة في الحد الأدنى للأجور، ومرة جديدة يُطلب من المواطن أن يتعامل مع القرار باعتباره انفراجة، أو باعتباره دليلًا على انحياز الدولة له في مواجهة الغلاء.

لكن الحقيقة التي يجب قولها بوضوح هي أن المواطن لم يعد ينتظر هذه الزيادات الشكلية بقدر ما ينتظر شيئًا أهم بكثير، أن تتوقف الحكومة عن استنزاف جيبه أصلًا.

المواطن لا يريد ألف جنيه إضافية على الورق، ثم يكتشف بعد أيام قليلة أنها تبخرت بين أسعار السلع، وفواتير الخدمات، وتكاليف النقل، وأعباء المعيشة التي لا تكف عن الارتفاع.

المواطن لا يريد أن تعطيه الحكومة بيد، ثم تأخذ منه أضعاف ما أعطته باليد الأخرى.

لا يريد رقمًا جديدًا في بند الأجر، بقدر ما يريد سياسات تمنع تآكل هذا الأجر من الأساس.

المسألة لم تعد مرتبطة بقرار زيادة هنا أو هناك، وإنما بنهج كامل أصبح قائمًا على تحميل المواطن فاتورة كل أزمة، وكل اختلال، وكل سوء تقدير.

كلما ارتفعت الأسعار، قيل للمواطن تحمّل!

كلما زادت الأعباء، قيل له اصبر!

كلما عجزت السياسات عن ضبط السوق أو كبح موجات الغلاء، كان الحل الأسهل دائمًا هو أن يدفع المواطن الثمن من دخله، ومن قدرته على العيش، ومن الحد الأدنى لراحته وأمانه الاجتماعي!!

ولهذا، فإن النقاش الحقيقي اليوم لا ينبغي أن يكون، هل الألف جنيه رقم كافٍ أم لا؟

بل، لماذا أصبحت الحكومة تتعامل مع جيب المواطن باعتباره المورد الجاهز الذي يمكن الرجوع إليه كلما تعثرت السياسات أو اختل السوق؟

لماذا أصبح المواطن هو الحلقة التي تمتص كل الصدمات، في حين لا يرى ضبطًا حقيقيًا للأسعار، ولا رقابة حاسمة على الأسواق، ولا معالجة جذرية للأسباب التي تجعل أي زيادة في الدخل تُسحب سريعًا من جيبه؟

نحن نتحدث هنا عن آخر رقم رسمي معلن بشأن التضخم، وهو الرقم الصادر عن البنك المركزي المصري في 10 مارس 2026 عن تضخم فبراير 2026، والذي أوضح أن التضخم الأساسي السنوي بلغ 12.7%.

لكن حتى هذا الرقم لا يحكي الصورة كاملة، لأن بيانات الشهر الأخير لم تصدر بعد، رغم أنه الشهر الذي شهد زيادات جديدة في عدد من السلع والخدمات التي يتحملها المواطن بشكل مباشر.

وبالتالي، فإن محاولة تقديم زيادة الألف جنيه باعتبارها معادلة كافية لمواجهة الغلاء، هي محاولة تتجاهل ببساطة أن المواطن ما زال يعيش تحت ضغط موجة جديدة من الأعباء لم تنعكس رسميًا في الأرقام المنشورة حتى الآن.

لكن حتى لو تركنا الأرقام جانبًا، فهناك حقيقة أبسط وأكثر مباشرة، المواطن يشعر أنه يُستنزف.

يشعر أن كل اتجاه في حياته اليومية يؤدي إلى باب جديد للدفع.

السوق يضغط عليه، والخدمات تضغط عليه، والرسوم تضغط عليه، والالتزامات الأساسية تضغط عليه، بينما الدولة لا تقدم له الحماية الكافية من هذا كله، بل تطالبه في كل مرة بمزيد من الاحتمال والتكيف.

وهنا تصبح المشكلة ليست فقط في قلة الزيادة، بل في غياب الإحساس أصلًا بأن هناك من يعمل على وقف النزيف المستمر من جيب المواطن.

المواطن اليوم لا يطلب المستحيل.

و لا يطلب امتيازات استثنائية.

هو فقط يريد أن يشعر أن دخله له قيمة، وأن راتبه لا يفقد معناه قبل أن ينتهي الشهر، وأن الحكومة لا تعتبره دائمًا الحل الأسهل والأسرع لأي أزمة.

يريد سوقًا منضبطًا، وأسعارًا قابلة للتحمل، ورقابة تمنع الجشع، وسياسات لا تجعل حياته سلسلة متصلة من رد الفعل على قرارات وارتفاعات لا تنتهي.

لهذا، فإن الرسالة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن المواطن لا يريد هذه الزيادة بوصفها بديلًا عن الحل، ولا يريدها باعتبارها عنوانًا للإنجاز، ولا يريد أن يُطلب منه كل مرة أن يصفق لرقم جديد بينما واقعه يزداد صعوبة.

المواطن يريد قبل أي شيء أن تتوقف الحكومة عن استنزاف جيبه.

يريد أن تتوقف سياسة نقل كلفة الإخفاقات والاختلالات إليه وحده.

يريد أن يرى دولة تحميه من الغلاء، لا أن تتركه يواجهه وحده ثم تمنحه زيادة محدودة وتطالبه بالرضا.

في النهاية، القضية ليست كم زاد الراتب؟

القضية الأهم، هي كم بقي للمواطن من هذا الراتب أصلًا بعد كل ما يدفعه؟

وهنا تحديدًا تتكشف الحقيقة، الناس لم تعد تحتاج فقط إلى زيادة دخل، بل تحتاج قبل ذلك إلى وقف النزيف المستمر الذي يلتهم هذا الدخل من جذوره.

#حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة