حين تتكاثف الأزمات في الشرق الأوسط وتتحول المواجهات إلى حرب مفتوحة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لا تعود الأحداث مجرد تصعيد عسكري محدود، بل تصبح اختبارًا حقيقيًا لطبيعة الدول وأدوارها. المنطقة اليوم تعيش واحدة من أخطر لحظاتها منذ عقود، مع تبادل الضربات واتساع رقعة الاشتباك واحتمالات انزلاق الإقليم إلى مواجهة شاملة لا يمكن احتواء تداعياتها.
وسط هذا المناخ المشحون، لم يكن الموقف المصري انعكاسًا للحدث، ولا انخراطًا في موجة الاستقطاب، بل تعبيرًا عن دولة تدرك أن لحظات الفوضى هي اللحظات التي يُعاد فيها تعريف موازين الحكمة. مصر لم تتعامل مع الحرب الدائرة الآن باعتبارها صراعًا بعيدًا عن حدودها، بل كتحول استراتيجي يمس مباشرة أمنها القومي واستقرار محيطها العربي.
منذ اندلاع المواجهات، تحركت القاهرة عبر ثلاث دوائر متداخلة: احتواء الاشتعال، حماية المجال العربي، وإعادة توجيه المسار السياسي للأزمة نحو حل مستدام.
أولاً: استعادة زمام المبادرة الدبلوماسية
لم تكن الدعوات المصرية لوقف إطلاق النار واحتواء التصعيد مجرد بيانات سياسية تقليدية، بل كانت انعكاسًا لقناعة استراتيجية بأن الحروب الحديثة لا تصنع أمنًا دائمًا، بل تفتح أبوابًا لموجات جديدة من عدم الاستقرار. في وقت كانت فيه الآلة العسكرية تدير المشهد، اختارت مصر أن تعيد الاعتبار للصوت السياسي، مدركة أن استمرار الحرب الحالية سيقود إلى استنزاف شامل تتجاوز آثاره حدود أطراف الصراع المباشرين.
تحركت الدبلوماسية المصرية في مسارات متوازية، مستثمرة رصيدها التاريخي في الوساطة وقدرتها على التواصل مع أطراف متباينة، حاملة رسالة واضحة مفادها أن المنطقة لا تحتمل حربًا كبرى جديدة. حتى لو بدت مساحات الحوار ضيقة، فإن الحفاظ عليها مفتوحة يظل الخيار الأقل كلفة مقارنة بانفجار شامل قد يعيد الإقليم سنوات إلى الوراء.
ثانيًا: توسيع مفهوم الأمن القومي العربي
في قراءتها للحرب الدائرة الآن، لم تنظر مصر إلى المواجهة باعتبارها صراعًا ثنائيًا محصورًا بين أطرافه المباشرين. فحين تمتد الصواريخ إلى دول خليجية شقيقة، فإن الأمر يتجاوز حدود الاشتباك ليصبح مسألة أمن قومي عربي. الإدانة المصرية لأي اعتداء على دول الخليج جاءت تأكيدًا لمبدأ ثابت مفاده أن استقرار الخليج جزء لا يتجزأ من استقرار مصر.
وفي المقابل، شددت القاهرة على ضرورة احترام سيادة الدول وعدم تحويل أراضيها إلى ساحات لتبادل الرسائل العسكرية. هذا التوازن لم يكن محاولة للوقوف في المنتصف، بل تعبيرًا عن رؤية ترفض منطق الفوضى وتتمسك بفكرة الدولة وسيادتها، أياً كان الطرف المنتهِك.
ثالثًا: إدارة الجبهة الاقتصادية في زمن الحرب
بعيدًا عن ضجيج المواجهات، كانت مصر تدير معركة أخرى أكثر هدوءًا لكنها لا تقل خطورة: حماية الاقتصاد الوطني من ارتدادات الحرب. تدرك القاهرة أن أي تصعيد ممتد سيؤثر على أسواق الطاقة، وحركة الملاحة في البحر الأحمر، واستقرار التجارة العالمية، بما في ذلك قناة السويس التي تمثل شريانًا حيويًا ليس لمصر فقط، بل للاقتصاد الدولي.
ومن هنا جاء الاستعداد المبكر لمواجهة أي صدمات محتملة، عبر تعزيز الجاهزية الاقتصادية وتأمين الاحتياجات الأساسية، بما يضمن حماية المواطن المصري من تقلبات خارجية لا يد له فيها. إنها فلسفة تقوم على بناء مناعة داخلية قوية في مواجهة عواصف إقليمية متغيرة.
رابعًا: إعادة توجيه البوصلة نحو جوهر الأزمة
في خضم الانشغال بالحرب الحالية، أعادت مصر التذكير بأن جذور عدم الاستقرار في الشرق الأوسط أعمق من مجرد تبادل الضربات. فاستمرار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي دون حل عادل وشامل يظل أحد العوامل المركزية في تغذية دوائر العنف والتوتر. ومن هذا المنطلق، شددت القاهرة على أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر معالجة جذور الصراع وإحياء مسار سياسي جاد يقوم على حل الدولتين.
بهذا الطرح، انتقلت مصر من موقع المتأثر بتداعيات الحرب إلى موقع الفاعل الذي يسعى لإعادة صياغة أولويات النقاش الدولي، واضعةً الاستقرار طويل المدى فوق الحسابات التكتيكية الآنية.
الخلاصة: دولة تبادر في زمن الاضطراب
الموقف المصري من الحرب الإقليمية الجارية الآن ليس موقف مراقب سلبي، ولا طرفًا منخرطًا في معركة لا تخدم مصالح شعوب المنطقة، بل هو موقف دولة تدرك وزنها ومسؤوليتها. دولة تمزج بين الحزم في حماية أمنها القومي، والمرونة في فتح قنوات التهدئة، والوضوح في دعم الأشقاء، والاتزان في رفض منطق التصعيد.
في زمن ترتفع فيه أصوات السلاح، اختارت مصر أن يكون حضورها قائمًا على العقل الاستراتيجي لا الانفعال، وعلى المبادرة لا الانتظار. وبين رهانات التصعيد ورهانات الاستنزاف، راهنت مصر على حماية الدولة وصون الاستقرار الإقليمي.
ولهذا، يظل موقفها حاضرًا في معادلة التوازن… ومحل احترام في زمن تتقلص فيه مساحات الحكمة. #حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل




