التصعيد الذي بدأ بضربات أمريكية–إسرائيلية على إيران، ثم الرد الإيراني الذي طال قواعد عسكرية في الإمارات وقطر والكويت، لا يمكن قراءته كجولة عسكرية عابرة. ما يجري هو لحظة مفصلية تكشف هشاشة معادلة أمنية تشكّلت منذ عام 1971، وتعيد طرح سؤال جوهري حول مستقبل النظام الإقليمي في الخليج.
عقب انسحاب بريطانيا “شرق السويس”، لم يكن استقلال مشيخات الخليج مجرد نهاية لمرحلة استعمارية، بل إعادة صياغة جيوسياسية دقيقة. فشل مشروع الاتحاد التساعي، وظهرت كيانات صغيرة المساحة والسكان، ضخمة الثروة، محدودة العمق العسكري. هكذا تأسس نموذج “الدولة الثرية الصغيرة” — لاعب اقتصادي مركزي في سوق الطاقة العالمي، لكنه أمنيًا يعتمد على مظلة خارجية لضمان بقائه واستقراره.
هذا النموذج خدم توازنات دولية واضحة: منع نشوء قوة خليجية موحدة تملك القرار الكامل في ملف الطاقة، وضمان بقاء المنطقة ضمن شبكة تحالفات غربية واسعة. لكن التطورات الأخيرة تكشف أن “الأمن المستورد” يحمل في طياته مخاطرة كامنة: حين تندلع مواجهة بين قوة كبرى وخصم إقليمي، تصبح أراضي الحليف ساحة محتملة للرد.
الرد الإيراني على قواعد داخل أراضٍ خليجية أبرز المعضلة السيادية بوضوح غير مسبوق. وجود قواعد أجنبية يُفترض أنه عنصر ردع وحماية، لكنه في لحظة التصعيد يتحول إلى مبرر لاستهداف مباشر. الجغرافيا الضيقة، وتركّز الموانئ ومحطات التحلية وحقول النفط والمطارات في نطاق محدود، تجعل أي تصعيد واسع تهديدًا وجوديًا، لا مجرد ضغط سياسي.
الخطر الأكبر لا يكمن فقط في احتمال الضربات العسكرية، بل في هشاشة العمق الاستراتيجي. رغم أن الخليج من أكبر مستوردي السلاح عالميًا، إلا أن غياب قيادة دفاعية موحدة ومنظومة اندماج حقيقية يجعل كل دولة أكثر عرضة للتحرك منفردة. كما أن اعتماد معظم هذه الدول على مضيق هرمز كممر رئيسي للصادرات والواردات يضاعف من قابلية الخنق الاقتصادي في حال توسع المواجهة.
في حال تحوّل التصعيد الحالي إلى مواجهة أوسع بين واشنطن وطهران، فإن دول الخليج ستكون عمليًا داخل “منطقة الاشتباك” بحكم الجغرافيا والتحالفات، حتى وإن لم تكن طرفًا في قرار الحرب. هذا يكشف تناقضًا بنيويًا: وفرة مالية وتنموية ضخمة، مقابل حساسية عالية للصدمات الجيوسياسية.
بناءً على هذا السياق الجيوسياسي المعقد، يصبح تبني استراتيجية “التحوط النشط” (Active Hedging) ضرورة استراتيجية لا رفاهية فكرية. التحوط لا يعني التخلي عن التحالفات القائمة، بل تنويعها، وبناء شبكة علاقات متعددة الاتجاهات تمنع الارتهان الكامل لطرف واحد. في نظام دولي يتجه نحو التعددية القطبية، يصبح تعدد الاصطفاف أداة لتوسيع هامش المناورة، لا لإضعاف الشراكات.
إلى جانب ذلك، تحتاج دول الخليج إلى خلق “عمق تكاملي” بديل عن العمق الجغرافي المفقود. دفاع جوي وصاروخي موحد فعليًا، وربط لوجستي إقليمي يقلل من الاعتماد الحصري على هرمز، يعززان القدرة على امتصاص الصدمات. كما أن الاستثمار في الردع غير التقليدي — من الأمن السيبراني إلى أنظمة المسيرات — يمنح الدول الصغيرة قدرة نوعية على رفع كلفة أي اعتداء.
ولا يقل أهمية عن ذلك تحصين الجبهة الداخلية. في أي صراع ممتد، الحصار الاقتصادي قد يكون أسرع من الصواريخ. الأمن الغذائي والمائي، والمخزونات الاستراتيجية، وتنويع سلاسل التوريد، كلها عناصر صمود في بيئة إقليمية متقلبة.
أما مصر، فهي جزء من هذه المعادلة بحكم التشابك الاقتصادي والسياسي. استقرار الخليج يرتبط مباشرة بالتحويلات والاستثمارات والطاقة، وأي اضطراب واسع سينعكس على الداخل المصري وعلى حركة التجارة عبر قناة السويس. لذلك فإن منع انزلاق الخليج إلى مواجهة شاملة ليس مصلحة خليجية فحسب، بل مصلحة إقليمية أوسع تمس توازنات الشرق الأوسط ككل.
ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة عسكرية، بل اختبار حقيقي لنموذج الدولة الخليجية منذ 1971. إما إعادة تعريف الأمن بمنطق التكامل والتوازن وتعدد الشراكات، أو البقاء ضمن معادلة تجعل كل مواجهة كبرى تهديدًا مباشرًا للاستقرار والسيادة. اللحظة تفرض مراجعة استراتيجية عميقة، لأن المرحلة المقبلة لن تُحسم فقط بحجم القوة، بل بقدرة المنطقة على إدارة تعقيداتها بعيدًا عن الارتهان الأحادي. #حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل




