كنتُ مدعوًا لحضور منتدى فوربس الشرق الأوسط خلال الفترة من
19 إلى 23 يناير 2026، على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (Forbes Middle East Hub at WEF – Davos 2026). قمتُ بالتسجيل، وأكدت الحضور، واستلمت بالفعل رمز الدخول.
لكن، وفي اللحظة الأخيرة، اتخذتُ قرارًا واعيًا بعدم المشاركة.
لم يكن هذا القرار عاطفيًا أو اندفاعيًا، بل جاء نتيجة قناعة راسخة تشكلت لديّ على مدار سنوات من المتابعة والتجربة، مفادها أن الشكل التقليدي لإدارة العالم قد انتهى. فالمنتدى الاقتصادي، ومعه كثير من المنتديات العالمية المشابهة، بات في صورته الحالية بعيدًا عن الواقع، وبعيدًا عن الناس، وبعيدًا عن مشكلاتهم الحقيقية.
هذه القناعة لم تتشكل من فراغ. فبوصفي عضوًا في اللجنة التوجيهية والاستشارية لمنصة Global Gateway التابعة للاتحاد الأوروبي، شاركتُ في منتدى Global Gateway في بروكسل خلال أكتوبر من العام الماضي. هناك، تابعت كلمات رؤساء الدول المشاركين، وشاركت في نقاشات رسمية، وأجريت أحاديث جانبية مباشرة مع عدد من رؤساء الدول، من أبرزها لقاء مع رئيس كولومبيا السيد غوستافو بيترو ، إلى جانب مشاركتي في العديد من الاجتماعات والفعاليات التي أعتبر كثيرًا منها غير قابل للنشر في الوقت الراهن.
لكن ما هو قابل للتأكيد، أن هذه التجربة كوّنت لديّ رؤية واضحة منذ العام الماضي مفادها أن العالم قد تغيّر بالفعل—ليس فقط على المستوى الدولي، بل حتى على المستويات الوطنية.
الشعوب تغيّرت، وتوازنات الوعي والتحرك السياسي لم تعد كما كانت. وإما أن تعي النخب السياسية هذا التحول سريعًا، وتفتح آفاقًا جديدة للحوار السياسي، وتفهم القدرة الحقيقية لجيل “زد” على التغيير وإرباك حسابات حكومات ودول بأكملها، أو فإن الفجوة ستتسع أكثر.
حتى الدول التي تصف نفسها بالديمقراطية ليست بمنأى عن هذا الخطر. فهل يعلم القارئ، على سبيل المثال، كم عدد المنظمات الشبابية المسجَّلة أو السرّية في ألمانيا وحدها التي تروّج لأفكار نازية؟ وهل ندرك أن هناك فرصة تاريخية حقيقية لحزب “البديل من أجل ألمانيا” لتولي الحكم منفردًا في عدة ولايات بشرق ألمانيا؟
هذه التطورات ليست صدفة، ولا وليدة اللحظة. بل هي نتاج لجان ممولة، وخطابات شعبوية، وبرامج سياسية تعمل ضد كثير من المبادئ والقيم التي رُوّج لها في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية—بغضّ النظر عن موقفي الشخصي من مدى عدالة هذه القيم أو اكتمالها. ما يهم هنا هو إدراك حجم التحول وخطورته.
من هذا المنطلق، لم أندم على قراري بعدم المشاركة في دافوس، بل زادت قناعتي به عندما جاء التأكيد من داخل دافوس نفسه. فعندما يخرج أحد أكبر رموز المال في العالم، لاري فينك
(Co-Chair of the World Economic Forum، ورئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة BlackRock)
ليقول صراحة إن الناس لم تعد تثق في النخب والمؤسسات الكبرى، وإن هناك فجوة متزايدة بينها وبين المجتمع، فإننا لا نكون أمام نقد عابر، بل أمام اعتراف صريح بحالة الانفصال القائمة.
الخلاصة باتت واضحة:
لا يمكن الاستمرار في إدارة العالم من أعلى،
ولا يمكن الحديث باسم الناس دون الاستماع إليهم.
هذا القرار لا يخص منتدى دافوس وحده، بل يعبر عني أنا أيضًا، وعن القيم التي أؤمن بها. لقد قررت أن أراجع نفسي، وأن أعيد النظر في طريقة عملي، وأن أقترب أكثر من الواقع، ومن الناس، ومن الأماكن التي يحدث فيها التغيير الحقيقي.
إن منظمة الأمم المتحدة، وعلى رأس الكيانات متعددة الأطراف، تقف اليوم أمام لحظة مفصلية، وهي في حاجة إلى إصلاح جذري وسريع قبل فوات الأوان. فالعالم يتغير بسرعة،
والناس، كما التاريخ، لا ينسون
من يتمسك بقيمه،
ومن يفرّط فيها من أجل مكاسب مزيفة وسريعة الزوال.
وللحديث بقية ما دام في العمر بقية.
والله الموفق. #حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل



