الرئيسيةمقالات العدلد.مدحت نافع يكتب.....المكايدة الكبرى !

د.مدحت نافع يكتب…..المكايدة الكبرى !

ما زال بعض الأصدقاء من أهل الصحافة يسألونني عن مقترحات طرحها خبراء يصفونها بـ«المقايضة الكبرى»،تشبه المعالجة المحاسبية لأرصدة الدين الداخلي في مصر، إلى أن استقر في يقيني أنها ليست سوى مكايدة كبرى!.

فقد باتت بعض النقاشات الاقتصادية تُدار اليوم كما لو كانت ساحة سجال منفصلة عن العلم والخبرة، وكأن أزمة الدين العام يمكن اختزالها في أفكار صادمة أو حلول استعراضية، لا في سياسات متماسكة تُوازن بدقة بين القيود والبدائل المتاحة. وفي قلب هذا المشهد الملتبس، تطرح تلك «المقايضة» بوصفها حلًا شاملًا لأزمة الدين، لا كأداة استثنائية محدودة تُستخدم بشروط صارمة، بل كمسار عام يُقدَّم بثقة مفرطة، رغم تعارضه الواضح مع أبسط قواعد الإدارة الرشيدة للديون السيادية.

المشكلة في هذا الطرح لا تكمن فقط في نتائجه الكارثية المحتملة، بل في منطقه ذاته. إذ يفترض أن أزمة الدين هي في جوهرها أزمة أصول، لا أزمة سياسات، وأن معالجة الاختلالات المالية لا تمر عبر إصلاح هيكل الإنفاق والإيرادات، ولا عبر تحسين كفاءة إدارة الدين، بل عبر تحويل الأصول العامة إلى وسيلة سداد.

وهو افتراض يُخالف التجربة الدولية، ويتجاهل أن الدين العام ليس مجرد رقم، بل علاقة تعاقدية مع الأسواق، تُحكمها التوقعات، والقدرة المستقبلية على السداد، ومستوى الثقة في مؤسسات الدولة.

وما يزيد هذا الطرح إرباكًا أن الإلحاح عليه لا يتناسب مع وزنه العلمي، ولا مع موقعه في خبرات إدارة الديون عبر العالم. فعلى الرغم من أن غالبية الخبراء والصيارفة والمختصين في المالية العامة وإدارة الدين قد رفضوا هذا المسار، أو فنّدوا جدواه، وحذّروا من مخاطره على الأصول والجدارة الائتمانية وسلامة الجهاز المصرفي، فإن مساحات واسعة لا تزال تُخصَّص له في الخطاب العام، وكأنه الخيار الوحيد أو المخرج الحتمي من الأزمة!!. هذا الإصرار على إعادة طرح فكرة جرى نقدها وتفكيكها مرارًا لا يعكس نقاشًا مهنيًا بقدر ما يكشف عن نزعة للمكايدة والإلهاء المتعمَّد، وإبقاء الجدل مشتعلاً حول وصفة مثيرة، بدلًا من الانشغال بالأسئلة الأعمق والأكثر إلحاحًا.

التوسع في مقايضة الديون بأصول الدولة يعكس خلطًا جوهريًا بين علاج أعراض الأزمة ومصادرها. فالأصول ليست عبئًا على المالية العامة بطبيعتها، بل تصبح كذلك حين تُدار بكفاءة متدنية أو تُحمَّل بأدوار لا تناسب طبيعتها الاقتصادية. أما تحويلها إلى أداة سداد، على نطاق واسع، فيعني عمليًا استبدال التزام مالي قابل للإدارة بأصل منتج كان يمكن أن يساهم في تحسين الموقف المالي للدولة على المدى المتوسط والطويل، ويُضعف في الوقت ذاته قدرتها المستقبلية على توليد الإيرادات.

الأخطر أن هذا المسار يمضي في الاتجاه المعاكس لمنطق الحفاظ على الجدارة الائتمانية. فوكالات التصنيف والمستثمرون لا ينظرون بعين الاطمئنان إلى دولة تُخفف عبء الدين عبر التفريط في أصولها على نطاق واسع، بدلًا من معالجة أسباب تراكمه. الرسالة الضمنية هنا أن الدولة تواجه صعوبة في توليد إيرادات مستدامة، فتضطر إلى بيع قدرتها المستقبلية على السداد من أجل الوفاء بالتزاماتها الحالية، وهي رسالة لا تُحسِّن التصنيف الائتماني، بل تُقوِّضه، حتى لو وفّرت متنفسًا مؤقتًا للسيولة.

ثم إن المقايضة الواسعة تُضعف الموقع التفاوضي للدولة ذاتها. فحين تُطرَح الأصول كبديل للدين، يتحول التفاوض من شروط التمويل إلى شروط السيطرة، ومن تكلفة الاقتراض إلى هيكل الملكية. ومع مرور الوقت، تصبح الحاجة الملحّة للسداد عامل الضغط الأساسي، وتتآكل قدرة الدولة على فرض شروط عادلة، لا بسبب ضعف الأصل، بل بسبب اختلال الإطار الذي أُقحم فيه.

اقتصاديًا، لا تُدار أزمات الدين بسياسات استثنائية دائمة، بل بإطار متكامل يوازن بين إطالة آجال الاستحقاق، وتنويع مصادر التمويل، وتحسين هيكل العملة، وخفض علاوة المخاطر عبر إصلاحات مؤسسية حقيقية، وتعزيز الشفافية والانضباط المالي.

هذه الأدوات قد تكون أقل إثارة للضجيج، لكنها أكثر اتساقًا مع المنطق العلمي، وأكثر قدرة على استعادة الثقة، وأقل كلفة على المدى الطويل. أما القفز مباشرة إلى المقايضة الشاملة، فيُشبه من يعالج الحمى بكسر ميزان الحرارة.

إن الدفاع عن الأصول العامة ليس موقفًا أيديولوجيًا ولا خطابًا شعبويًا، بل ضرورة اقتصادية خالصة. فهذه الأصول تمثل أحد أعمدة الثقة في الدولة، وأحد مصادر مرونتها في مواجهة الصدمات.

والتفريط فيها تحت ضغط اللحظة لا يُنهي أزمة الدين، بل ينقلها من دفاتر المالية العامة إلى بنية الاقتصاد نفسه، حيث تصبح أكثر تعقيدًا وأصعب علاجًا.

كما ان العمل على مبادلة بعض الديون والودائع العربية بأصول على نطاق محدود، وفي إطار الاتفاق مع الصندوق على تخصيص نصف عائدات عمليات تخصيص الأراضي لمشروعات عربية-مصرية لصالح خدمة الدين..ليست بالأمر الجديد.

كما إن مبادلة الديون بأصول على مستوى الشركات العامة مثلاً أيضاً ليست جديدة، لكن محاولة البخث عن مخرج محاسبي ينقل مخاطر الحكومة بشكل جماعي إلى الجهاز المصرفي عبر شطب ديون الدولة للبنوك مقابل نقل أصول غير مورّقة للبنك المركزي هي أمر عجيب!.

في نهاية المطاف، لا تُقاس جدية السياسات الاقتصادية بحدتها ولا بوقعها الإعلامي، بل بقدرتها على الصمود أمام اختبارات الزمن والأسواق.

وأي طرح يُصرّ على تجاهل هذه الحقيقة، مهما بدا جريئًا أو مختلفًا، لا ينتمي إلى عالم الحلول العقلانية، بل إلى عالم الجدل الذي يستهلك النقاش ويستنزف الانتباه، دون أن يقرّبنا خطوة واحدة من معالجة حقيقية لأزمة الدين.

#حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة