ذاع قول القائلين بأن ابن خلدون هو المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع، ورغم ما تعرض له من تهميش ولا سيما من علماء الغرب الحداثيين، إلا أنه يظل المؤسس الحقيقي لعلم السوسيولوجيا، ومع تأصيله الشديد في ذلك العلم إلا أنه كان عالمًا في دراسة التاريخ وربطه بما أطلق عليه علم “العمران البشري” الذي جعله شرطًا لدراسة التاريخ، توفي ابن خلدون منذ ستمائة عام لكن أفكاره مازالت باقية ولاتزال.
ولد ابن خلدون في تونس لدى بني خلدون في شهر رمضان عام ٧٣٢هـ / ١٣٣٢م وقد عاش في حقبة من الانقسام السياسي والانحدار الثقافي في العالم العربي، ورغم أنه شغل مناصب في العديد من قصور البلدان العربية والأندلس إلا أنه كلما وجد نفسه في وضع غير ملائم كان يسعى إلى مغادرته، ومن المؤكد أن صورة الفوضى والتفكك التي نشأ عليها قد أثرت في تطور فكره، بالإضافة إلى بعض تجاربه في تولي المناصب وقربه من النخب الحاكمة, وكانت النتيجة سنوات العزله التي كتب فيها أعظم إنتاج تأسس على أساسه ما يطلق عليه الآن علم الاجتماع.
تعتبر النزعة المركزية الأوروبية في العلوم الاجتماعية والإنسانية أحد الأسباب الرئيسية في استبعاد مفكر اجتماعي – غير أوروبي – من الدراسة الجادة للتاريخ وندرة الاهتمام الموجه إلى رواد العلوم الإنسانية غير الغربيين، وتتمثل تلك النزعة في صور عديدة من قبيل أن الأوروبي هو الذات العالمية وبطل القصه وما دونه تابع، وأن التركيز يجب أن ينصب على وضع الأوروبيين في الصدارة ويتم النظر إليهم على أنهم المبتكرون وما دونهم مقلدين وما شبه ذلك، ما سبق يفسر ما قد يتبادر إلى الأذهان عن أسباب تهميش ابن خلدون وعدم الاعتراف بكونه أبو علم الاجتماع ومؤسسه.
قبل الحديث عن مراحل – أعمار – حياة الدول عند ابن خلدون أو صعود وسقوط الدول، لابد لك عزيز القارئ أن تعلم أن دراسة الدولة لدى ابن خلدون مرتبطة في الأساس بما أُطلق عليه “الانسان والعمران” وتحدث فيه عن أن الإنسان مدني بالطبع، ومن ثم كان لابد من أن يصنع مجتمعًا يجري في نطاقه التعاون على إنتاج القوت الذي يهيئ له العيش والأدوات التي تهيئ له أسباب الدفاع عن حياته، وأن أصل العمران نابع من كون العمران البدوي أصل العمران الحضري، ولكل من المجتمعين ألوان من العادات والسلوك وأنماط في الحياة تفرضها طبيعية كل منهما، وهي في المجتمع الحضري أكثر قابلية للتطور الذي يؤدي إلى قمة العمران ثم ما يتبع ذلك من تقلص وانحسار في أحقاب زمنية متلاحقة متكررة يؤدي إلى الانتهاء.
كما فرق بين المُلك والخلافة ووضح أن الخلافة تعني أن يكون الحاكم قادرًا على حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية، بينما عرف المُلك على أنه القدرة على الحكم بالقهر وفرق بين نوعين من المُلك السياسي منه والطبيعي، فالمُلك السياسي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار بينما المُلك الطبيعي يعرف على أنه حمل الكافة على مقتضى الغرض وتكون ممارسة السلطة في هذا الصدد بالقوة لممارسة النفوذ المقيد للبشر لطبيعة العدوان والظلم فيهم.
كما ناقش مفهوم العصبية – الشعور بقضية واحدة ومصير مشترك وروابط الولاء قائمة إلى حد كبير على صلات الدم والرحم والمصاهرة بخلاف الدين الذي يحقق الالتحام الاجتماعي حيث يعتبر ابن خلدون أن المُلك لا يؤول للعرب إلا بالدين على اساس انه الوحيد القادر على تجاوز النعرات القومية والعشائرية لدى العرب – واعتبرها أساس المُلك، فالعصبية تؤدي إلى المنعة والغلبة فتسمو إلى الرياسة، والرياسة تبعث على التطلع إلى المُلك ومن ثم فإن المُلك لا يقوم أصلًا بغير العصبية، ويظل قويًا بقوتها ويضعف بضعها، وكما يقول ابن خلدون “وما جعل الله في قلوب عباده من الشفقة والنعرة على ذوي أرحامهم وقُرباهم موجود في الطباع البشرية وبها يكون التعاضد والتناصر وتعظيم رهبة العدو لهم”.
أما ما يخص دورة حياة الأمم أو أعمار الدول قدم ابن خلدون في هذا الصدد نظرية متماسكة لتطور الدولة في خمس مراحل، تلعب العصبية فى تتابعها دورًا حاكمًا.
- في المرحلة الأولى يتم انتزاع الحكم من دولة قائمة اعتمادا على القوة، ويقتسم فيها القائد المجد والمال مع أهل عشيرته.
- فى المرحلة الثانية يتخذ الحاكم حلفاء من غير أبناء عشيرته لتوسيع مملكته ويسعى لتقليص دورهم لتثبيت أقدامه.
- في المرحلة الثالثة ينعم الحاكم بثمرات الملك، ويتوسع في الجباية للإنفاق على تشييد المبانى الفخمة، والاحتفالات الباذخة والإغداق على الحاشية.
- في المرحلة الرابعة يقنع الحاكم بما وصل إليه، ويحتفى بأمجاد السلف.
- في المرحلة الأخيرة يسرف في إشباع شهواته وملذاته، ويسند أعمالا غير مبررة لبطانته، فيتخاذلون عن طاعته وحينئذ تهرم الدولة وتمرض وتنقرض.
وتعد تلك النظرية أهم ما يفسر سقوط الامبراطورية العثمانية والدولة الصفوية وفهم صعود الدولة الوهابية السعودية.
وفي نظر مفكرين كثيرين أمثال الدكتور فريد العطاس أن نظرية ابن خلدون لاتزال فاعله بأشكال عديدة إذا ما نظرنا إليها بالمصطلحات المعاصرة على أساس أن القبيلة بوصفها وحدة تضامن أعم من روابط الدم لاتزال في قوتها وما تزال العصبية مؤثرة في المستوى الاجتماعي-السياسي وهي قادرة على تفسير سلوك مجتمعات كثيرة وتفسير أنماط الولاء داخل النخبة الحاكمة، وما يزال الدين مؤثرًا في تهذيب العصبيات ويلعب الترف ممثلًا في النزعة الاستهلاكية الحديثة دورًا بارزًا في تآكل العصبية وانحلالها.
عذرًا على الإطالة عزيزي القاريء لكن ما كان لي أن أتحدث عن وصف أحد أعظم المؤرخين على مر تاريخ الشرق والغرب في أقل من ذلك – وإن لم أعطيه حقه رغم هذا – وهو القائل في وصف حالنا اليوم وكأنه يتجسس على المستقبل منذ ستمائة عام: “المغلوب مولع دائما بتقليد الغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب أن النفس دائما تعتقد الكمال في من غلبها”.
ولكن عزيزي القارئ لما كان تقليد الفضيلة أصعب من تقليد الرذيلة كان أول ما تأخذ الأمة الضعيفة من الأمة القوية الرذائل التي يسهل تقليدها.



