منذ عهد محمد علي ، كانت المدارس الصناعية والتجارية والزراعية هي الشريان الأساسي لبناء المصانع ونهضة الزراعة، والمسئولة عن تخريج كوادر فنية وعمالة ماهرة. وكان خريج التعليم الفني في الخمسينيات والستينيات يحظى بمكانة اجتماعية مرموقة، وضمانة حقيقية للتعيين في كبرى المصانع والمشاريع القومية. واستمر هذا التقدير المجتمعي حتى منتصف القرن الماضي
لكن بدأ هذا التقدير إلى نظرة دونية وتهميش مجتمعي. أصبح التعليم الفني مجرد “بديل اضطراري” لمن لم يسعفهم المجموع للالتحاق بالثانوية العامة. ولم يتوقف التهميش عند حدود سوق العمل، بل امتد للروابط الاجتماعية وإمكانية بناء الأسرة، وكأن الدرجة العلمية أصبحت حائلاً دون التكافؤ والتفاهم
وفي محاولة لتدارك الأزمة، ظهرت مراكز التدريب المهني والمدارس الملحقة بالشركات الكبرى (دبلوم التلمذة الصناعية)، بهدف إعداد فنيين متخصصين وفق أعلى معايير الكفاءة لتلبية احتياجات كل شركة. ورغم النجاح الأولِيّ، إلا أن المسار انتكس سريعاً وتوقفت التعيينات، ليشتعل الفتيل من جديد وتتفاقم الفجوة.
نتيجة العقود الممتدة من التهميش والنظرة القاصرة، يواجه القطاع الصناعي اليوم أزمة عاصفة تمثلت في ندرة الكوادر الفنية المهنية. أصبحت العثور على “صنايعي شاطر” أو فني كفء أشبه بالبحث عن عملة نادرة، مما أثر مباشرة على جودة الإنتاج وتنافسية الصناعة الوطنية.
إن استعادة قوة الصناعة المصرية تبدأ من إعادة الهيكلة الشاملة ملف التعليم الفني والمهني عبر محاور عاجلة:
سد الفجوة بين التعليم وسوق العمل: تحديث المناهج وتطوير الورش والتدريب العملي بالشراكة المباشرة مع المصانع والقطاع الخاص.
التكامل المؤسسي: ضمان مسارات مهنية واضحة للترقي وربط خريجي المدارس الملحقة بالشركات بفرص عمل حقيقية ومستدامة.
تغيير الصورة الذهنية: تشديد الرقابة والتوجيه للدراما والأعمال الفنية والإعلامية التي ما زالت تتناول العامل والفني بنوع من السخرية أو الدونية.
تأمين بيئة العمل والحماية الاجتماعية: إقرار منظومة أجور وحماية اجتماعية عادلة تضمن للفني حياة كريمة ومكانة مجتمعية مستحقة.
هل نستطيع اليوم بجهود متكاملة بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص، أن نرد الاعتبار لليد العاملة وأن نعيد كلمة “صنايعي” لتكون لقباً يُحمل ببلادنا بفخر واعتزاز؟


