لم يعد كسر أحد خطوط الغاز الطبيعي أثناء أعمال الحفر واقعة استثنائية يمكن التعامل معها باعتبارها خطأً فرديًا أو حادثًا عابرًا. فتكرار وقائع متشابهة في عدد من المحافظات المصرية، وبالسيناريو نفسه تقريبًا، يطرح سؤالًا أكثر أهمية من تحديد المسؤول عن كل واقعة على حدة: لماذا يمكن أن تبدأ أعمال حفر أو تجريف قبل التأكد من مسارات المرافق الموجودة تحت الأرض واستكمال التنسيق مع الجهات المسؤولة عنها؟

أحدث هذه الوقائع ما أعلنته شركة تاون جاس بشأن التعامل مع كسر بخط الغاز الطبيعي المغذي لقرية نفيشة بمدينة الإسماعيلية، نتيجة تنفيذ أعمال تجريف وحفر أسفل ترعة الإسماعيلية دون التنسيق المسبق مع الشركة. ووفقًا لبيان الشركة، رصدت منظومة التحكم والمراقبة انخفاضًا ملحوظًا في ضغوط الغاز، وتحركت فرق الطوارئ إلى الموقع لعزل المنطقة وتأمينها، مع بدء أعمال الإصلاح وتنفيذ تعدية بديلة لإعادة الخط إلى الخدمة.

ورغم أهمية سرعة الاستجابة والسيطرة على الموقف، فإن القضية الأهم لا تتعلق فقط بكفاءة التعامل بعد وقوع الكسر، وإنما بكيفية منع وقوعه من الأساس.

فمراجعة الحوادث السابقة تكشف أن عبارات مثل «أعمال حفر» و«كسر خط غاز» و«عدم التنسيق المسبق» تكررت في وقائع متعددة خلال السنوات الماضية، وهو ما يستدعي التعامل مع القضية باعتبارها تحديًا مؤسسيًا في إدارة وتنسيق المرافق، وليس مجرد سلسلة من الأخطاء المنفصلة.

من محافظة إلى أخرى.. والسيناريو يتكرر

ربما يمثل حادث طريق الواحات بمدينة السادس من أكتوبر في أبريل 2025 المثال الأخطر على النتائج التي يمكن أن تترتب على القصور في إجراءات الحفر والتنسيق. فقد تعرض خط غاز للكسر والاشتعال أثناء أعمال حفر، وكشفت تحقيقات النيابة لاحقًا عن مخالفات شملت بدء أعمال الحفر دون التصاريح اللازمة، وعدم اتخاذ تدابير السلامة المطلوبة أو إجراء الجسات اليدوية اللازمة قبل استخدام المعدات الثقيلة، فضلًا عن عدم إخطار شركة الغاز قبل بدء الأعمال.

وأسفر الحادث عن وفاة 8 أشخاص وإصابة 17 آخرين واحتراق 10 سيارات ودراجة نارية، مع تسرب نحو 27 ألف متر مكعب من الغاز، وفق ما نشر بشأن نتائج التحقيقات والتقارير الفنية. وهي أرقام توضح أن ما يبدأ باصطدام معدة حفر بخط تحت الأرض قد يتحول خلال دقائق إلى حادث جسيم يهدد الأرواح والممتلكات.

وفي أسوان في يونيو 2025، تكرر نمط قريب للغاية من واقعة الإسماعيلية؛ إذ أعلنت شركة غاز مصر أن مقاولًا تابعًا لشركة مياه الشرب والصرف الصحي نفذ أعمال حفر بمنطقة السيل دون التنسيق المسبق معها، ما تسبب في كسر خط غاز قطره 180 ملليمترًا ويعمل بضغط 7 بارات. واضطرت الشركة إلى عزل الخط وبدء أعمال الإصلاح، مع تفعيل التغذية العكسية للحفاظ على استمرار الإمدادات.

كما شهدت قنا خلال 2025 واقعة كسر ماسورة غاز أثناء أعمال مرتبطة بمشروع للصرف الصحي، وتم إغلاق الخط وإجراء الإصلاحات اللازمة دون خسائر بشرية.

وفي المنيا خلال العام نفسه، وقع كسر بخط فرعي للغاز أثناء أعمال حفر مرتبطة بالاتصالات، وأعيد إصلاح الخط، مع تجدد التحذيرات من تنفيذ أعمال حفر دون التنسيق مع شركات الغاز.

وفي قنا عام 2024، تسبب الحفر لتركيب كابل كهرباء في كسر خط غاز رئيسي قطره 6 بوصات، ما استدعى تدخل فرق الطوارئ والحماية المدنية وتأمين المنطقة.

أما في حدائق أكتوبر عام 2022، فقد تعرض خط الغاز الرئيسي المغذي لأحد المشروعات للكسر أثناء أعمال مرتبطة بمشروع للصرف الصحي، وتمت السيطرة على الموقف دون وقوع إصابات.

وقبل ذلك، شهدت القاهرة والجيزة خلال عام 2020 وقائع مشابهة مرتبطة بأعمال الحفر؛ من بينها اشتعال للغاز بعد إصابة أحد الخطوط أثناء أعمال إنشاء كوبري، وواقعة أخرى اصطدمت فيها معدة حفر بخط غاز في العياط، ما أدى إلى اندلاع حريق.

وفي كرموز بالإسكندرية عام 2019، أدى كسر ماسورة غاز أثناء أعمال حفر إلى اشتعال النيران واحتراق عدد من المركبات، بينما شهدت سيدي بشر في 2018 واقعة أخرى لكسر ماسورة أثناء أعمال الحفر، استدعت تدخل الحماية المدنية وإغلاق المحبس وتأمين المنطقة.

كما شهد التجمع الخامس في 2017 حريقًا بعد كسر ماسورة غاز بواسطة معدة تعمل في أعمال مرتبطة بشبكة الصرف، وفي العام نفسه وقعت حادثة أخرى بطريق الواحات أثناء أعمال حفر.

ويمكن الرجوع إلى 2016 لنجد واقعة شديدة الدلالة على طريق قنا–أسوان، عندما أصابت معدات حفر خط غاز رئيسيًا قطره 30 بوصة أثناء تنفيذ أعمال، واستلزمت الواقعة تدخلًا لإصلاح الخط وإعادة تشغيله.

وبالتالي فنحن لا نتحدث عن محافظة واحدة، أو شركة واحدة، أو نوع واحد من المشروعات. الحوادث ظهرت أثناء مشروعات الطرق والكباري والصرف الصحي والمياه والكهرباء والاتصالات وأعمال التطهير والتجريف.

تتغير الأماكن والجهات المنفذة، لكن يبقى الخطر واحدًا: معدة حفر تعمل في منطقة تحتوي على شبكة مرافق مدفونة، بينما لم تكن إجراءات تحديد المرافق والتنسيق السابقة للحفر كافية لمنع الاصطدام بها.

المشكلة ليست في الحفر.. وإنما فيما يجب أن يحدث قبله

مصر تشهد حجمًا ضخمًا من مشروعات البنية التحتية والتطوير العمراني، وبالتالي فإن أعمال الحفر ضرورة لا يمكن إيقافها، كما أن وقوع حادث أثناء العمل لا يعني تلقائيًا وجود النوع نفسه من التقصير في كل واقعة.

لكن تكرار النوع ذاته من الحوادث على مدار سنوات وفي مشروعات ومحافظات وجهات تنفيذ مختلفة يستوجب النظر إلى المنظومة نفسها.

فالشارع الواحد قد تمر أسفله شبكات للغاز الطبيعي والمياه والصرف الصحي والكهرباء والاتصالات، وربما خطوط أخرى ذات طبيعة استراتيجية. ومع زيادة كثافة البنية الأساسية، أصبحت إدارة ما يوجد تحت الأرض لا تقل أهمية عن إدارة المشروعات التي تنفذ فوقها.

وتبدأ المشكلة عندما تكون بيانات المرافق موزعة بين جهات متعددة، أو لا يتم تحديثها بالسرعة والدقة الكافيتين، أو لا تصل إلى المقاول والاستشاري بصورة فعالة، أو يبدأ التنفيذ قبل انتهاء دورة التنسيق، أو يتم الاعتماد على الخرائط وحدها دون تحديد ميداني دقيق لمسار المرفق قبل دخول المعدات الثقيلة.

ولذلك، فإن الحل لا يجب أن يقتصر على إصدار تحذير جديد للمقاولين عقب كل حادث، وإنما يحتاج إلى تغيير طريقة إدارة أعمال الحفر نفسها.

من إدارة الحادث إلى منع الحادث

من الإيجابي أن العديد من الوقائع السابقة شهدت استجابة سريعة من شركات الغاز والحماية المدنية، من خلال عزل الخطوط وإغلاق المحابس وتأمين المناطق وإعادة الخدمة.

لكن نجاح منظومة الطوارئ في التعامل مع حادث لا يعني بالضرورة نجاح منظومة الوقاية.

فكل إصابة لخط غاز تحمل احتمالات للتسرب والاشتعال، وتعريض المواطنين والعاملين والممتلكات للخطر، بالإضافة إلى فقد كميات من الغاز وتكلفة الإصلاح واحتمالات تعطل الخدمات والطرق والمنشآت.

ومن هنا يجب أن تنتقل الأولوية تدريجيًا من الاستجابة للطوارئ إلى منع الأضرار قبل وقوعها؛ أي ألا نقيس النجاح فقط بعدد الدقائق التي استغرقتها فرق الطوارئ للسيطرة على التسرب، وإنما أيضًا بعدد الحوادث التي نجحنا في منعها من الأساس.

تجارب دولية يمكن الاستفادة منها

المشكلة ليست مصرية فقط، فالدول التي تمتلك شبكات كثيفة من المرافق تحت الأرض واجهت التحدي نفسه، وطورت آليات مختلفة لتقليل مخاطر إتلافها أثناء أعمال الحفر. وما يجمع هذه التجارب هو الانتقال من الاعتماد على التنسيق التقليدي بين كل جهة وأخرى إلى نظام مؤسسي يسبق عملية الحفر نفسها.

في المملكة المتحدة، تم إنشاء السجل الوطني للأصول تحت الأرض، وهو نظام يهدف إلى تجميع بيانات وخرائط البنية التحتية المدفونة في منصة رقمية واحدة. وتشير البيانات الحكومية إلى أن السجل يجمع معلومات أصول أكثر من 600 جهة من القطاعين العام والخاص، بما يساعد العاملين في أعمال الحفر والصيانة على الحصول على صورة أكثر تكاملًا لما يوجد تحت الأرض قبل بدء العمل.

أما الولايات المتحدة فتطبق نظام «811 – اتصل قبل أن تحفر». والفكرة تقوم على إخطار مركز الاتصال المختص قبل تنفيذ أعمال الحفر، ليتم توجيه الطلب إلى الجهات صاحبة المرافق الموجودة في منطقة العمل، ثم تحديد مواقع الشبكات المدفونة قبل بدء الحفر.

وفي كندا توجد منظومات «اتصل أو استعلم قبل أن تحفر»، التي تسمح بتقديم طلب مسبق لتحديد المرافق الموجودة تحت الأرض قبل تنفيذ الأعمال التي قد تؤثر عليها، بما يقلل مخاطر إصابة خطوط الغاز والكهرباء والاتصالات وغيرها من الشبكات.

أما أستراليا فتطبق منظومة «قبل أن تحفر في أستراليا»، وهي خدمة وطنية تتيح تقديم طلب للحصول على المعلومات الخاصة بالبنية التحتية والمرافق الموجودة داخل نطاق المشروع قبل بدء أعمال الحفر.

وعلى الرغم من اختلاف النماذج وآليات التطبيق، فإن المبدأ الذي يجمع هذه التجارب بسيط: لا ينبغي أن يبدأ الحفر قبل معرفة ما يوجد تحت الأرض، وتحديد الجهات المالكة للمرافق، واستكمال إجراءات التنسيق والحماية اللازمة.

ما الذي يمكن تطبيقه في مصر؟

الاستفادة من هذه التجارب لا تعني نسخ أي منها بصورة حرفية، وإنما بناء نموذج مصري يتناسب مع طبيعة الإدارة المحلية وشركات المرافق والبنية التحتية لدينا. ويمكن أن تكون نقطة البداية إنشاء خريطة قومية رقمية موحدة للمرافق تحت الأرض، تعتمد على قاعدة بيانات جغرافية تضم مسارات شبكات الغاز الطبيعي والكهرباء والمياه والصرف الصحي والاتصالات وخطوط المنتجات البترولية وغيرها من المرافق.

ويجب تحديث هذه البيانات بصورة مستمرة، مع تحديد مستويات وصلاحيات الوصول إليها وفقًا لطبيعة وحساسية كل مرفق. فالمقصود ليس إتاحة خرائط المرافق الاستراتيجية بشكل مفتوح، وإنما وجود مصدر مؤسسي موحد وموثوق للمعلومات تستطيع الجهات المختصة الرجوع إليه قبل السماح بأي أعمال حفر.

وبالتوازي مع ذلك، يمكن إطلاق منظومة قومية تحت مفهوم «استعلم قبل أن تحفر»، بحيث تتقدم أي جهة حكومية أو شركة أو مقاول قبل بدء أعمال الحفر بطلب إلكتروني موحد يتضمن موقع ونطاق وعمق وطبيعة الأعمال. ومن خلال هذه المنظومة يتم تحديد الجهات التي تمتلك مرافق داخل نطاق المشروع وإخطارها، واستكمال إجراءات التنسيق معها قبل دخول المعدات إلى الموقع.

لكن نجاح هذه المنظومة يتطلب ألا تكون مجرد خدمة استرشادية أو اختيارية، بل يجب ربطها بتصريح الحفر نفسه، بحيث لا يصدر التصريح ولا يسمح ببدء التنفيذ إلا بعد استكمال دورة التنسيق المطلوبة مع الجهات صاحبة المرافق. وبذلك يصبح التنسيق جزءًا إلزاميًا من دورة المشروع، وليس إجراءً يعتمد فقط على التزام المقاول أو الجهة المنفذة.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي الاعتماد على الخرائط وحدها مهما بلغت دقتها. فقبل استخدام الحفارات واللوادر، خاصة بالقرب من خطوط الغاز والمرافق عالية الخطورة، يجب تحديد مسار المرفق ميدانيًا باستخدام وسائل الكشف المناسبة والجسات الاستكشافية، لأن وجود فارق محدود بين الموقع المسجل للخط وموقعه الفعلي قد يكون كافيًا لوقوع حادث عند استخدام معدات ثقيلة.

كما يجب وضع نطاقات أمان واضحة حول خطوط الغاز والمرافق الخطرة وفقًا لطبيعة وضغط وقطر وأهمية كل خط، بحيث يؤدي دخول أعمال الحفر داخل هذا النطاق إلى تطبيق إجراءات سلامة إضافية، مثل استخدام الحفر اليدوي أو وسائل الحفر الآمن بالقرب من المرفق، وعدم استخدام المعدات الثقيلة إلا بعد التأكد من الموقع الفعلي للخط، مع إمكانية اشتراط وجود ممثل عن شركة الغاز أو الجهة صاحبة المرفق في الحالات عالية الخطورة.

وجزء أساسي من المشكلة يتعلق كذلك بتوزيع المسؤوليات. فلا يجب أن ننتظر وقوع الحادث حتى نبدأ في التساؤل: من المسؤول؟ بل ينبغي أن تكون المسؤولية محددة مسبقًا بين مالك المشروع والاستشاري والمقاول والجهة صاحبة المرفق؛ من يستخرج الموافقات، ومن يراجع بيانات المرافق، ومن يتأكد من تنفيذ الجسات وتحديد الخطوط على الطبيعة، ومن يعطي الأمر النهائي ببدء الحفر.

وفي المقابل، يجب أن يمتلك مهندس الموقع والاستشاري والجهة صاحبة المرفق صلاحية فورية لإيقاف الأعمال إذا تبين عدم وجود تصريح، أو عدم استكمال التنسيق، أو ظهور مرفق غير مدرج في البيانات المتاحة. فالقرار الصحيح في هذه الحالة هو إيقاف الحفر والتحقق، وليس الاستمرار على أمل عدم وقوع الضرر.

ولا ينبغي أيضًا أن ينتهي التعامل مع كل واقعة بمجرد إصلاح الخط وإعادة الخدمة. فمصر تحتاج إلى سجل قومي لحوادث إتلاف المرافق بسبب أعمال الحفر، يسجل موقع كل حادث، ونوع المشروع، والجهة المنفذة والمقاول، والمرفق المتضرر، وسبب الواقعة، ومدى وجود تصريح وتنسيق مسبق، وحجم الخسائر ومدة توقف الخدمة والإجراءات التصحيحية.

وجود مثل هذه البيانات سيسمح بمعرفة أين تتكرر الحوادث، وما أنواع المشروعات الأكثر خطورة، وما الأسباب الأكثر شيوعًا، وهل هناك شركات أو مقاولون تتكرر لديهم المخالفات. وهنا يمكن الانتقال من مجرد تسجيل الحوادث إلى إدارة مخاطر مبنية على البيانات.

ويمكن كذلك ربط هذه البيانات بعملية تقييم وتأهيل المقاولين، بحيث تصبح مخالفات الحفر دون تصريح أو تكرار إتلاف المرافق جزءًا من سجل أداء وسلامة المقاول، ويؤخذ هذا السجل في الاعتبار عند إسناد مشروعات حكومية أو مشروعات بنية تحتية جديدة. فالمقاول الذي يتكرر منه إتلاف مرافق حيوية لا ينبغي تقييمه على أساس السعر والبرنامج الزمني فقط، وإنما يجب أن يكون سجل السلامة جزءًا أساسيًا من تقييم كفاءته.

ويتطلب ذلك أيضًا التفرقة بوضوح بين حادث وقع رغم الالتزام بجميع الإجراءات الفنية المطلوبة، وبين جهة بدأت أعمال الحفر أصلًا دون الحصول على التصاريح أو التنسيق اللازم. وفي الحالة الثانية يجب أن تكون هناك مساءلة واضحة ورادعة، مع تحميل المتسبب تكاليف إصلاح المرفق والخسائر المباشرة الناتجة عن تعطله وفقًا للقوانين والعقود المنظمة.

وفي المشروعات الكبرى، خاصة مشروعات الطرق والكباري والصرف والمياه والكهرباء، يجب أن تصبح خطة إدارة تعارضات المرافق جزءًا أساسيًا من مرحلة ما قبل التنفيذ، بحيث يتم حصر جميع المرافق الموجودة داخل نطاق المشروع، وتحديد نقاط التعارض بينها وبين الأعمال الجديدة، وكيفية حمايتها أو نقلها أو التعامل معها قبل دخول المعدات إلى الموقع، وليس بعد ظهور أول خط أثناء الحفر.

وحتى نعرف ما إذا كانت هذه الإجراءات تحقق نتائج فعلية، فمن الضروري إصدار تقرير دوري عن حوادث إتلاف المرافق يوضح عددها وأسبابها والقطاعات الأكثر ارتباطًا بها وحجم الخسائر والإجراءات التصحيحية. فالهدف ليس التشهير بالجهات أو المقاولين، وإنما امتلاك مؤشر يمكن من خلاله الإجابة عن سؤال بسيط: هل انخفض عدد هذه الحوادث مقارنة بالعام السابق أم لا؟

الإسماعيلية يجب ألا تصبح مجرد حادث جديد في القائمة

واقعة الإسماعيلية الأخيرة يجب ألا تنتهي فقط بإصلاح الخط وعودة الخدمة، وإنما يجب أن تدفع إلى طرح سؤال أوسع:

كيف تمكنت أعمال الحفر أو التجريف من الوصول إلى خط غاز من الأساس دون اكتمال التنسيق المسبق مع الشركة المسؤولة عنه؟

وبعد حوادث طريق الواحات وأسوان وقنا والمنيا والقاهرة والجيزة والإسكندرية وغيرها، أصبح من الضروري ألا ننظر إلى كل واقعة باعتبارها حادثًا منفصلًا.

فتكرار الحادث يحوله من خطأ تنفيذي إلى مشكلة منظومة، والحل بالتالي يجب أن يكون على مستوى المنظومة أيضًا.

والقضية هنا تتجاوز خطوط الغاز وحدها؛ فالمعدة التي تصيب خط غاز اليوم يمكن أن تصيب غدًا كابل كهرباء أو خط مياه أو صرف صحي أو اتصالات أو أحد خطوط المنتجات البترولية. ومن ثم فإننا نتحدث في الأساس عن حماية البنية التحتية للدولة وإدارة أكثر كفاءة وأمانًا لما يوجد تحت الأرض.

ويمكن أن تكون البداية من خريطة قومية رقمية موحدة للمرافق، ومنظومة «استعلم قبل أن تحفر»، وتصريح حفر مرتبط بموافقات الجهات، وتحديد ميداني للمرافق قبل استخدام المعدات الثقيلة، ومسؤوليات واضحة، وسجل قومي للحوادث، ومساءلة حقيقية عند مخالفة الإجراءات.

فالنجاح الحقيقي لا يقاس فقط بسرعة تحرك فرق الطوارئ بعد كسر الخط، وإنما بقدرة الدولة على خفض عدد هذه الحوادث عامًا بعد عام ومنعها قبل وقوعها.

القضية ليست كيف نصلح خط الغاز بعد أن يصيبه الحفار؛ القضية كيف نبني منظومة تضمن ألا يصل الحفار إلى خط الغاز من الأساس.