بقلم: هشام الهمامي
عضو الهيئة العليا بحزب العدل
في أوقات الأزمات، تظهر معادن القوى السياسية. فهناك من ينجرف خلف الشائعات ويصدر الأحكام قبل اكتمال الصورة، وهناك من يتحلى بالمسؤولية الوطنية، فينتظر الحقيقة، ويثق في مؤسسات الدولة، ويضع مصلحة الوطن فوق أي اعتبارات أخرى.
عندما وقع حادث استهداف سفينتي الغاز بميناء دمياط، كان موقف حزب العدل واضحًا منذ اللحظة الأولى. لم يسارع الحزب إلى تبني روايات غير مؤكدة، ولم ينسق وراء موجة التكهنات، بل طالب بكشف الحقيقة كاملة، وربط أي موقف نهائي بما ستسفر عنه التحقيقات الرسمية، مع تأكيده أن أي اعتداء يثبت استهدافه للمنشآت الحيوية المصرية هو عدوان مرفوض على الدولة وسيادتها وأمنها القومي.
ورغم وضوح هذا الموقف واتزانه، تعرض الحزب لحملة من الانتقادات والتشكيك، فقط لأنه اختار طريق المسؤولية بدلًا من طريق المزايدة، واحترام مؤسسات الدولة بدلًا من إصدار الأحكام المسبقة.
لكن الأيام كانت كفيلة بأن تثبت أن المواقف الرشيدة لا تحتاج إلى صخب حتى تنتصر. فجاء البيان الصادر عن مجلس الوزراء، وما تضمنه من نتائج التحقيقات الأولية، ليؤكد أهمية التمسك بالحقائق والاعتماد على المعلومات الرسمية، ويبرهن أن التعامل المسؤول مع القضايا التي تمس الأمن القومي هو النهج الذي يخدم الوطن ويحمي استقراره.
إن العمل السياسي الحقيقي لا يُقاس بسرعة إصدار البيانات أو بحدة الخطاب، وإنما بمدى التزامه بالحقيقة واحترامه لمؤسسات الدولة. فالمعارضة الوطنية ليست خصومة مع الدولة، كما أن دعم مؤسساتها في القضايا المتعلقة بالأمن القومي ليس تخليًا عن الدور الرقابي، بل هو واجب وطني يفرضه الانتماء والمسؤولية.
لقد أثبت حزب العدل، مرة أخرى، أنه حزب يوازن بين حق المواطنين في معرفة الحقيقة، وبين واجب الحفاظ على استقرار الدولة، فلا ينجرف خلف الشائعات، ولا يزايد على القضايا الوطنية، ولا يجعل من الأزمات وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية.
إن مصر اليوم تواجه تحديات إقليمية ودولية معقدة، وهو ما يتطلب من الجميع تغليب لغة العقل، والاصطفاف خلف مؤسسات الدولة في كل ما يتعلق بحماية الأمن القومي، مع استمرار المطالبة بالشفافية والمحاسبة وفقًا للقانون.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة أقوى من الضجيج، وتبقى المواقف الوطنية الصادقة أكثر رسوخًا من حملات التشكيك. أما الذين اعتادوا إطلاق الأحكام قبل ظهور الحقائق، فربما آن الأوان ليدركوا أن الحكمة ليست ضعفًا، وأن التروي ليس ترددًا، وأن احترام الدولة ومؤسساتها هو عنوان المسؤولية السياسية.
ولذلك سيظل حزب العدل متمسكًا بمنهجه الوطني، يقول كلمته بوضوح، ويقف مع الدولة عندما يتعلق الأمر بأمن الوطن وسيادته، ويختلف حين يقتضي الاختلاف، لكنه لا يساوم أبدًا على مصلحة مصر.
فالمواقف تُختبر بالحقائق، لا بالشعارات… والتاريخ لا يذكر من علا صوته، بل من ثبت موقفه عندما ظهرت الحقيقة


