الرئيسيةمقالات العدلالنائبة نيفين فارس تكتب: أزمة قيم أم أزمة قدوة؟

النائبة نيفين فارس تكتب: أزمة قيم أم أزمة قدوة؟

في لحظات التحول الكبرى التي تمر بها المجتمعات، لا يكون الخلل دائما في القوانين أو السياسات وحدها، بل في المنظومة الأخلاقية التي توجه الفعل العام وتضبط إيقاعه. فالأمم لا تنهض بالنصوص فقط، ولا تحمي تماسكها بالشعارات، وإنما بما تزرعه من وعي جمعي، وما تقدمه من نماذج قادرة على تجسيد هذا الوعي في الواقع.

ومن هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل ما نعيشه اليوم هو أزمة قيم، أم أزمة قدوة؟

الحديث عن تراجع القيم بات شائعا في الخطاب العام، وكأن القيم كيان هش يتبدد مع أول اختبار. والحقيقة أن القيم لم تختف ولم تفقد معناها، فما زالت العدالة عدالة، والصدق صدقا، واحترام القانون قيمة لا خلاف عليها. لكن الأزمة الحقيقية تكمن في غياب من يجسد هذه القيم في المجال العام، ويحولها من مبادئ نظرية إلى سلوك يومي قابل للتصديق.

فالدولة الحديثة لا تقوم فقط على مؤسسات قوية، بل على ثقة متبادلة بين المجتمع وهذه المؤسسات. وهذه الثقة لا تُبنى بالخطابات، وإنما بالفعل المتسق، وبقدوة يرى الناس فيها انسجاما بين القول والممارسة. حين يغيب هذا الانسجام، تتآكل المصداقية، ويبدأ المواطن في الشك، لا في الأشخاص فقط، بل في المنظومة بأكملها.

أزمة القدوة هي أخطر ما يمكن أن يواجه أي مجتمع، لأنها تخلق حالة من الارتباك القيمي. فالرسائل المتناقضة تفقد الناس بوصلتهم، وتجعل القيم محل تفاوض، لا مرجعية حاكمة. نطالب بالالتزام بالقانون، ثم نبرر تجاوزه. نرفع راية النزاهة، ثم نصمت أمام الفساد. نطالب الشباب بالإيمان بالمسار العام، بينما نقدم لهم نماذج تشككهم في جدواه.

في هذا المناخ، لا يصبح غريبا أن تتراجع الثقة في العمل العام، أو أن يشعر المواطن بأن القيم لم تعد طريقا للنجاح، بل عبئا لا جدوى منه. وهنا تتحول الأزمة من أخلاقية إلى سياسية بامتياز، لأن غياب القدوة يضعف الإيمان بالمشروع الوطني نفسه.

القدوة في معناها الأعمق ليست شخصا معصوما من الخطأ، بل نموذجا يتحمل مسؤولية موقعه وتأثيره، ويدرك أن كل سلوك يصدر عنه هو رسالة، وكل تناقض يهدم أكثر مما يبني. القدوة قد تكون مسؤولا يلتزم بالقانون قبل أن يطالب به، أو نائبا يربط خطابه بممارسته، أو إعلاميا يدرك أن الكلمة موقف لا مجرد رأي.

إن استعادة القيم لا تبدأ بإعادة تعريفها، بل بإعادة الاعتبار لفكرة المسؤولية الأخلاقية في المجال العام. مسؤولية تفرض على من يتصدر المشهد أن يكون واعيا بأثره، وأن يدرك أن غياب القدوة يفتح الباب أمام الفوضى القيمية، مهما كانت النوايا حسنة.

لسنا في أزمة قيم بقدر ما نحن في أزمة تجسيد. فالقيم موجودة في ضمير المجتمع، لكنها تنتظر من يعبر عنها بصدق، ويحملها دون ازدواجية، ويقدم للأجيال القادمة دليلا عمليا على أن الالتزام لا يزال خيارا ممكنا، وأن القيم لم تفقد قدرتها على صناعة المستقبل.

حين تستعيد القدوة مكانتها، تستعيد القيم معناها، ويستعيد المجتمع توازنه #حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة