حين نتحدث عن العدالة، يتجه التفكير عادة إلى التعليم والعلاج وفرص العمل، لكن هناك جانبًا آخر لا يقل أهمية، هو العدالة الثقافية. والمقصود بها أن تتاح لكل مواطن، أينما كان، فرصة حقيقية للوصول إلى الكتاب والمسرح والسينما والفنون، وأن يجد مساحة تساعده على اكتشاف موهبته والتعبير عن نفسه. الثقافة ليست ترفًا، وليست نشاطًا يخص فئة محددة من الناس، بل هي جزء أساسي من حياة الإنسان وتكوينه. من خلالها يفهم الفرد نفسه ومجتمعه، ويتعلم التفكير والحوار واحترام الاختلاف. والطفل الذي يقرأ أو يرسم أو يمارس الموسيقى والمسرح لا يقضي وقته في نشاط ثانوي، بل يطور خياله، ويكتسب ثقة أكبر في نفسه وقدرة أفضل على التواصل مع الآخرين

مع الأسف، لا تتساوى فرص المشاركة الثقافية بين جميع المواطنين. فمن يعيش في العاصمة أو في إحدى المدن الكبرى يجد أمامه مسارح ومكتبات ومعارض وورشًا فنية وفرصًا متعددة للتدريب والتعلم، بينما قد يعيش طفل أو شاب في قرية بعيدة ولا يجد مكتبة قريبة، أو مكانًا يتعلم فيه الرسم أو الموسيقى، رغم ما قد يمتلكه من موهبة حقيقية

وهنا تظهر أهمية العدالة الثقافية بصورة واضحة. فليس من العدل أن يتحدد مستقبل الطفل أو الشاب وفق مكان إقامته أو مستوى دخل أسرته. ومن حق كل طفل أن يجد في مدرسته مكتبة جيدة، ونشاطًا فنيًا جادًا، ومسرحًا مدرسيًا، ومعلمًا يساعده على اكتشاف قدراته. كما أن من حق الشباب في المحافظات أن يجدوا أماكن للتدريب وعرض أعمالهم، من دون أن يضطروا إلى السفر إلى القاهرة في كل مرة، أو تحمل تكاليف قد تفوق قدرتهم

وتبدأ العدالة الثقافية من المدرسة، لأنها المكان الذي يصل إلى أغلب الأطفال، مهما اختلفت ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية. ومع ذلك، لا تزال حصص الرسم والموسيقى والمسرح تُعامل في بعض المدارس على أنها مواد أقل أهمية، وقد تُلغى أو تُستبدل بحصص أخرى. وهذا تصور يحتاج إلى مراجعة، لأن التعليم لا ينبغي أن يقوم على الحفظ والامتحانات وحدهما. فالطفل يحتاج أيضًا إلى الخيال والابتكار
كما أن وجود مبنى يحمل اسم قصر ثقافة أو مكتبة عامة لا يعني بالضرورة أن الخدمة الثقافية قد وصلت إلى الناس. فقد يكون المبنى موجودًا ولكنه لا يقوم باي دور يذكر. لذلك لا ينبغي أن نقيس النجاح بعدد المباني فقط، بل بعدد المواطنين الذين يستفيدون منها بالفعل، وبمدى وصولها إلى الأطفال والشباب الأكثر احتياجا

المؤسسة الثقافية الناجحة هي التي تكون قريبة من الناس، وتفهم احتياجاتهم، وتقدم برامج منتظمة لا تقتصر على المناسبات والفعاليات الموسمية. وهي التي تفتح أبوابها للجميع، وتبحث عن المواهب بدلًا من انتظار وصولها إليها. ويمكنها أن تتعاون مع المدارس ومراكز الشباب والجمعيات الأهلية، حتى تصل أنشطتها إلى أكبر عدد ممكن من المواطنين

الثقافة ليست مسؤولية جهة واحدة، بل تحتاج إلى تعاون مؤسسات التعليم والشباب والمحليات والإعلام والمجتمع المدني والأحزاب السياسية. فالأحزاب لا ينبغي أن تهتم بالثقافة فقط في أثناء الاحتفالات أو المناسبات، بل يجب أن تضعها ضمن برامجها وخططها، وأن تقدم رؤى واضحة لتطوير قصور الثقافة والمكتبات، ودعم المبدعين الشباب، وتسهيل وصول الأنشطة إلى المحافظات والقرى
ومن الضروري أيضًا أن تستمع الأحزاب والجهات المسؤولة إلى الفنانين والمعلمين والشباب وأهالي المناطق المختلفة، لأن من يعيش في المكان هو الأقدر على معرفة احتياجاته. فقد تحتاج منطقة إلى مكتبة، بينما تحتاج أخرى إلى مركز لتعليم الحرف، وتحتاج منطقة ثالثة إلى مسرح أو قاعة لعرض الأعمال الفنية. لذلك لا ينبغي أن تُتخذ جميع القرارات من المكاتب، بعيدًا عن الناس وواقع حياتهم

إن الاستثمار في الثقافة لا يقل أهمية عن الاستثمار في الطرق والمباني. فالطرق تربط بين الأماكن، لكن الثقافة تربط بين الناس. والمباني تقدم الخدمات، لكن الفن والمعرفة يصنعان الوعي والانتماء. والمجتمع الذي يهتم بثقافة أفراده يكون أكثر قدرة على مواجهة التعصب والشائعات، وأكثر احترامًا للاختلاف، وأكثر قدرة على الحوار

حين يجد الطفل في القرية كتابًا ومسرحًا وفرصة للرسم مثل الطفل في المدينة، وحين يجد الشاب في كل محافظة مكانًا يعرض فيه موهبته، وحين تتحول المكتبات وقصور الثقافة إلى أماكن حية ومفتوحة أمام الجميع، يمكننا أن نقول إن الثقافة أصبحت بالفعل حقًا لكل مواطن، لا امتيازًا لمن تسمح لهم ظروفهم