هاجرمحمدموسى تكتب:
العجز التوأم في الاقتصاد المصري
أن البحث في الوسائل والحلول الكفيلة بمعالجة المشكلة الاقتصادية التي تمر بها مصر في الفترة الراهنة، لو استمر النقاش ليلاً ونهارًا لن ينتهي إلا إلى حكايات تحرير سعر الصرف، أو بيع بعض أصول الدولة، أو تشجيع التصدير ودعم المنتج المحلي، أو البحث في مشكلة الدين العام التي تستهلك أغلب الإيرادات في سداد أعبائها، فلا تكفي لاستيراد السلع الاستراتيجية وأهمها الغذاء والطاقة فضلاً عن مستلزمات الإنتاج والسلاح، والوفاء بالتزامات خدمة الديون وتسديدها وهي أعباء مستمرة يجري نقلها من جيل إلى جيل.
وكل ما سبق قائمة بأغلب الأسباب والمشاكل الاقتصادية التي تتلخص تحت مسمى “العجز التوأم”. وقد تعددت النظريات منذ الثمانينيات والتسعينيات التي حاولت تفسيره، وكان أشهرها نموذج ماندل-فليمنج، وفرضية التكافؤ الريكاردي لبارو.
ونموذج ماندل فليمنج يمثل امتدادًا لنموذج IS-LM للاقتصاد المفتوح صغير الحجم، حيث يدمج حركة رأس المال الدولية في التحليل، ويفترض تنقلًا مثاليًا لرأس المال وثبات الأسعار. ووفقًا لهذا النموذج، تؤدي السياسة المالية التوسعية إلى ارتفاع أسعار الفائدة المحلية، مما يجذب تدفقات رأس المال ويؤدي إلى ارتفاع سعر الصرف، وبالتالي تدهور الميزان التجاري. أما فرضية التكافؤ الريكاردي التي أعاد بارو إحياءها، فتقوم على افتراض أن الأفراد الأكثروعيا يدركون أن زيادة الدين العام اليوم تعني ضرائب أعلى في المستقبل، فيزيدون مدخراتهم لمواجهة الأعباء المستقبلية. ونتيجة لذلك، لا يترتب على السياسة المالية التوسعية أي تأثير حقيقي على الاستهلاك أو سعر الفائدة أو الميزان التجاري.
غير أن الدراسات عن الاقتصاد المصري تشير إلى نتيجة مختلفة إذ رفضت معظمها فرضية التكافؤ الريكاردي، كما رجّحت وجود علاقة سببية تسير من العجز التجاري إلى عجز الموازنة، وهو ما يعرف بفرضية “السببية المعكوسة”.
ولا جدال في أن عجز الموازنة العامة وعجز الميزان التجاري يمثلان انعكاسًا سلبيًا على رفاهية الدول، وهو ما يحدث حاليًا في مصر حيث يرتبط ارتفاع عجز الموازنة العامة بارتفاع التضخم، وانخفاض المدخرات الوطنية، وتفاقم الديون وأعبائها، بالإضافة إلى عجز الميزان الجاري، فضلاً عن التصنيف الائتماني للدولة، مما يترتب عليه انخفاض الاستثمارات الوطنية. أما عجز الميزان التجاري فإنه يؤثر على قدرة الدولة التنافسية، ويؤدي إلى تفاقم حالة الديون الخارجية بسبب انخفاض احتياطي العملة، والذي بدوره يجعل الدولة في دائرة مغلقة من المعاناة من الدين العام، وهو ما يؤثر بديهيًا على الموازنة العامة.
خلال السنوات الثلاث الأخيرة ، تشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي انخفضت من 97.2% في العام المالي 2023/2024 إلى 91.8% في العام المالي 2024/2025، مع توقعات بتراجعه إلى ما دون 75% بحلول عام 2031. إلا أن مدفوعات الفائدة لا تزال تلتهم نحو 83% من الإيرادات الضريبية، مما يزاحم الإنفاق التنموي والاجتماعي. وفيما يخص العجز التجاري، يُظهر تحليل الصندوق أن انخفاض سعر الصرف يؤثر بشكل أساسي على التضخم، بينما يظل التأثير على الصادرات والميزان الجاري محدودًا للغاية، مما يعكس ضعف استجابة الهيكل التصديري المصري لتغيرات سعر الصرف.
أما الأسباب فتتعدد بين ارتفاع أسعار الفائدة وضعف الإيرادات الضريبية وبرنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي منذ عام 2022، الذي تضمن تحرير سعر الصرف ورفع أسعار الفائدة وتقليص الإنفاق العام، بهدف استعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي، لكنه أثقل كاهل الموازنة بأعباء خدمة الدين.
ويمكن التحرك نحو الحلول في ثلاثة اتجاهات: توسيع القاعدة التصديرية وتوطين الصناعات لتقليص العجز الهيكلي، وتحويل الدين قصير الأجل إلى أدوات طويلة الأجل لتخفيف ضغط إعادة التمويل، وطرح فكرة “المقايضة الكبرى” التي تقترح مبادلة الدين الداخلي بأصول تُنقل إلى البنك المركزي بهدف تصفير أعباء الفوائد في الموازنة.
إلا أن فكرة “المقايضة الكبرى” واجهت فشلاً ورفضًا اجتماعيًا واسعًا.
فقد انتهت الدراسات الرسمية إلى “عدم ملاءمة تطبيق هذا التصور” وعدم إدراجه ضمن السياسات الحكومية، لأن نقل الأصول والمديونيات بين جهات الدولة لا يؤدي في حد ذاته إلى خفض الالتزامات على مستوى الدولة ككل، بل هو مجرد إعادة ترتيب محاسبي داخل الميزانية الموحدة. وأن الحل الحقيقي يكمن في التنمية وضبط المالية العامة وتعظيم عوائد الأصول القائمة بدلاً من نقل ملكيتها.
بالإضافة لبحث حزمة من السياسات المتكاملة، تبدأ بتحويل الإنفاق العام من أوجهه الاستهلاكية إلى القطاعات الإنتاجية والتصديرية، وتغيير هيكل الضرائب مع ضبط سقف الاستثمار العام لإفساح المجال أمام القطاع الخاص لقيادة النمو .
لذلك كل ماتحتاجه مصر اليوم ليس مزيدًا من برامج الإصلاح الهشّة التي تتكسر على أول صدمة خارجية أو داخلية، بل انتقالًا جذريًا نحو سياسات اقتصادية صلبة مستدامة تنطلق من قدرة الدولة على الصمود أمام التقلبات بدلًا من الركض خلف كل أزمة طارئة


